نحن نعلم تماماً أن المجتمع يتبع طرائق قاسية في محاسبة الآخر عندما يحاول إدخال شيئاً ما يمكن أن يؤدي إلى إرباك في النسق النسبي للأسرة مثلاً، يعمد بعضهم إلى الزواج من شخصية يرى المجتمع والمحيط أو الأسرة أن هذا يؤدي إلى خلل في تسلسل النسب، فيهجرونه، يتبعون طرائق يدفعونه إلى الطلاق إلى غير ذلك. العجيب في الموضوع أن الجميع يعتصم بالدين، فالذين يحاسبونه يعتصمون بالدين، وهو أيضاً يعتصم بالدين ويرى أن هذا لا يجوز شرعاً. الآن ماذا يقول الدين في هذه القضية؟
الإجابة
أمر الزواج ومن يختارها الرجل أمر واضح بين، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين المؤهلات التي تشترط في الرجل كما تشترط في المرأة، يقول في حق المرأة "فاظفر بذات الدين تربت يداك"، ويقول في حق الرجل "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". ونحن نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج نساءً من أشرف بيوت قريش نسباً وهن ذوات قربى منه عليه الصلاة والسلام بمن كان يعدهم المجتمع آنذاك أقل منزلة من بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهناك أمثلة عديدة من نساء صحابيات جليلات كريمات ذوات نسب برسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهن ممن اختار لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجاً منهن من كان يعد من الموالي، فلما قال لفاطمة "انكحي أسامة" فترددت أول الأمر ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدها مرة أخرى ثم قالت "فاغتبطت به" أي سررت به بالزواج منه. هذا هو الذي يقوله الدين، لكن الناس للأسف الشديد يبررون لأهوائهم ونوازعهم الشخصية الدنيوية بتبريرات يسندونها إلى الدين، وليس الأمر كذلك، وإنما هي مجرد تبريرات لما تنطوي عليه نفوسهم ولما يحاولون أن يفرضوه على غيرهم. لا ريب أن الدين حث على حسن الاختيار، وحتى في حديث المرأة "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها" فهناك التفاتة إلا أنها لا تحتل الصدارة، الصدارة للدين. فلو كان الأمر صادقاً لكانت الأولوية عندهم للدين والخلق، لكن نجد أنهم يتغاضون عن الدين والخلق في سبيل الاعتبارات الأخرى، فيضحون بالدين والخلق ويؤثرون الاعتبارات الأخرى، وهذا غير صحيح. ولذلك فإن من الذي ينبغي أن يتوجه إليه المجتمع هو النظر في هذه الأحوال، كم رأينا من حالات أورثت الرجال نفرة من الزواج بالكلية وصدوداً عن والديه وأسرته لأنه ألزم بمن لا يريد، وكم رأينا من حالات تقع فيها المرأة ضحية لزيجة أكرهت عليها فأورثتها من الأمراض والعلل والعاهات ما بلغ بها حد الجنون في بعض الأحيان وأوشك أن يبلغ بها حد الانتحار والعياذ بالله، هذه حالات موجودة في المجتمع. رأينا بعض الحالات التي يهرب فيها الطرفان بعيداً عن أعين الأسرة والمجتمع ويرتكبان المعصية والعياذ بالله بسبب هذه القيود التي يبرر القائمون عليها أنها من الدين وليست هي من الدين. حتى أيضاً لا يؤخذ هذا الكلام بعيداً عن محتواه ومضمونه، هناك حق للولي، حقه ثابت شرعاً ولا يصح الزواج إلا بإذنه، لكن هذا الحق إنما يراد منه مراعاة ما هو أصلح للمرأة، لا يراد منه التضييق على المرأة وأن يكون الاختيار بحسب ما يريد الأب أو الأم أو الأسرة وإنما هو توجيه وإرشاد ونصح ورعاية لما فيه صلاح وخير ولما يرجى أن يكون أنفع لهذه المرأة، ولا يملك أحد أن يلغي هذا الحق عن الولي، فهو حق ثابت له شرعاً والزواج لا يكون إلا به، لكن لا ينبغي أن يكون سلطة يضيق بها على المرأة ويعضلها عن الزواج بمن هو كفء لها ويحرج عليها في ذلك فإن هذا فيه مخالفة لدين الله تبارك وتعالى ويأثم هذا الولي إن فعل ذلك وقصده، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.