أسس بناء شخصية المسلم

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الأخلاق 2026-11-06

السؤال

ما هي قواعد، يعني يسألكم عن القواعد الأساسية التي تؤدي إلى بناء شخصية المسلم وخصوصاً في هذا الزمن الذي تكثر فيه المتناقضات؟

الإجابة

العلم أولاً، وأنا أتحدث من منطلق شرعي، لأن أول ما أنزل الله عز وجل على نبينا من كتابه من وحي الله تعالى قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، ولأن الله عز وجل يقول: {الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}، فالعلم هو الركيزة الأولى التي يمكن أن تُبنى بها الشخصيات وتُصاغ بها هويات الناس وهويات المجتمعات. ثم الدين، لأنه لا بد لهذا الإنسان من نظام يوجّه له حياته، يبيّن له المراشد وصوى الحق ومعالم الهدى ويذكّره دوماً بالمنقلب الذي يؤول إليه وبأمانته في هذه الحياة وبمسؤوليته فيها وبحقوقه وواجباته نحو ربه جل وعلا أولاً ثم نحو بني جنسه من البشر جميعاً ثم في علاقته مع سائر مكونات هذه الحياة ومفرداتها حسيّها ومعنويّها، فالدين هو المكون الجوهري الذي لا بد منه لصياغة شخصيات متزنة، فكيف إذا كنا نتحدث عن دين الإسلام الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بُعثت إنما بُعثت بالحنيفية السمحاء»، الحنيفية في عقيدتها في ما يتصل بالجوانب الإيمانية فيها فهي مائلة عن الباطل مؤسسة على الحق، فالله تعالى يقول: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحقِّ نَزَلَ}، ويقول: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}، وسمحاء في شريعتها في أحكام عباداتها ومعاملاتها وعلاقاتها وأخلاقها وقيمها، رُفع عنها الحرج، اتسمت باليسر والسهولة ونفي الضيق والحرج في كل أحكامها وفي كل شعائرها وشريعتها موسومة بهذه الصفة بهذه السمة. فإذا كان الله تعالى قد وصف نبيه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} فإن هذا الدين جدير بأن يكون المكون الأول في صياغة شخصيات متزنة مستقيمة صالحة، لكنني قدمت العلم لأن الدين نفسه يحتاج إلى العلم ولأن الدين نفسه هذا الذي أكرمنا الله عز وجل به هو الذي أنزل علينا في، أو هو الذي اشتمل على قيمة العلم وأهمية العلم وأولوية العلم. ثم بعد ذلك لا بد من الخلق القويم، وأنا أفصل الدين عن الخلق هنا تجوزاً وإلا فإن كلمة الدين كان يمكن أن تشتمل على ذلك، لكن الخلق والقيم والآداب لها منزلة خاصة في هذا الدين، فلأجل منزلتها أو من أجل منزلتها في هذا الدين استحقت أن تُفرد بالذكر أيضاً ونحن نتحدث عن صياغة الشخصيات. لا قيمة لهذا الإنسان بعيداً عن الخلق القويم وعن مراشد القيم والآداب، ولا قيمة للمجتمعات التي تُفرّغ من القيم الأصيلة ومن الأخلاق الحميدة، ولا قيمة للحضارات التي تكون فارغة خاوية من أصالة الأخلاق والقيم، ولا نفع للحوار بين الناس وللمجادلة فيما بينهم وللحوار بين الحضارات إن كان أيضاً مفرغاً من قيم الخلاف ومن الآداب والأخلاق التي تؤطر هؤلاء الذين يعيشون في هذه الأرض. ثم بعد ذلك يأتي دور المال، فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل المال قواماً لهذه الحياة وجعل السعي في طلب الرزق من الواجبات التي حُمّل إياها هذا الإنسان، والسعي إلى طلب الرزق وإلى الانتفاع من المال هو معنى شرعي أصيل لا يظنن ظان أيضاً أنه يمكن له حتى إن وفّى العلم حقه وإن تديّن وإن تخلّق بالأخلاق الحسنة أن يقعد بعد ذلك عن كسب ما يحتاج إليه من رزق وما يحتاج إليه عياله وأسرته وعن الإعانة على عمارة هذه الأرض وعن تلبية ما يحتاج إليه مجتمعه وعن نفع ذوي الحاجات في المجتمع وعن الكسب من الطيبات والإنفاق منها في وجوه البر المختلفة، فإن المال هو قوام بناء الحضارات، وإذا ما ساد الفقر المجتمعات وغطى حياة الناس العوز والفاقة والحاجة فإنه لا يُؤمن أن يسري إليهم كل ما يتعارض مع الأسس المتقدمة من العلم والدين والأخلاق، كما ورد في الأثر: «كاد الفقر أن يكون كفراً»، ولأجل هذا فإن هذا الدين أيضاً جاء بجملة من الوسائل والطرق الكفيلة بمعالجة هذه الأوضاع التي يمكن أن تفضي بالمجتمع إلى العوز والفقر وإلى الاحتياج، ونجد جملة من الأدلة الشرعية الآمرة بالكسب من الطيبات وبالسعي في هذه الأرض وبالسير فيها طلباً للرزق وإعزازاً لكرامة هذا الإنسان وحفظاً لدوره في عمارة هذه الأرض. كل هذه العوامل هي الأسس التي يمكن أن تُصاغ من خلالها الشخصيات المستقيمة المعتدلة التي يمكن أن يكون لها دور في بناء الأوطان وفي عمارة هذه الأرض.

وأقصد بالمال السعي الكسب، لا أقصد أن يجمع ثروة طائلة، نعم ذلك أيضاً يعني مشروع في هذا الدين لكن أصله أن يسعى هذا الإنسان، أن يعمل أن يكدح، عليه أن يعمل عليه أن يسعى إلى كسب الرزق، والمال لا أقصد به النقود فقط وإنما كل ما يمكن أن يُسخّر في جلب الرزق لهذا الإنسان وفي أن يكون في حالة من الحياة الكريمة وأن يعين غيره أيضاً على تحقيق الحياة الكريمة وأن يعمر هذه الأرض بكل ما فيه خير وهدى ورشد.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

أسس بناء شخصية المسلم
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي