استفادة الشباب من نماذج الأنبياء في القرآن

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-04

السؤال

الشباب في القرآن الكريم خاضوا صوراً مختلفة ومتعددة مع المجتمعات التي عاشوا فيها، نحن نحتاج هنا إلى استخدام منهج معين أو إلى الوصول إلى منهج القرآن الكريم في عرض صور الشباب وتضحياتهم ومواجهتهم للمجتمع حتى لا يكون هناك استغلال لبعض النصوص على حساب أخرى. إذا جئنا لإبراهيم عليه السلام فإنه قدم براهين عقلية بديهية لإثبات ألوهية الله تعالى أمام قومه من خلال النظر في السماوات، ثم قام بتحطيم الأصنام وأعلن التحدي، في حين نجد أن يوسف عليه السلام كانت طريقته مختلفة في التعامل مع المجتمع الذي ابتداءً من السجينين أو امرأة العزيز أو الملك غير ذلك، موسى عليه السلام له أيضاً طريقة مختلفة استطاع أن يقود بأمر الله تعالى المؤمنين ليخرج بهم في فسيح آخر. هذه الصور المتعددة للشباب الذين قاموا بأدوار يعني الأنبياء عليهم السلام الذين قاموا بهذه الأدوار الرائعة الملهمة من الله تعالى الموحى إليهم فيها، كيف للشباب المسلم أن يستفيد من تعدد هذه الصور ومن اختلاف هذه المناهج في التعامل مع المجتمع الذي يعيش فيه؟

الإجابة

أحسنتم بعرض هذه النماذج للأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من كتاب الله عز وجل، وهذا يقودنا مباشرة إلى الجواب، نحن بحاجة إلى تغيير في البنية الذهنية للمجتمع، فالقرآن يؤكد على أن الشباب هم عوامل البناء والإصلاح، ولذلك فالواجب علينا أن نزيل من أذهاننا النظر إلى الشباب على أنهم سبب للمشكلات والتحديات والصعوبات وأنهم أسباب للانحراف وسوء التوجه، لا بد أن نصحح هذه النظرة الأصيلة لأنها إن تمكنت من أذهاننا وهذا ما هو حاصل سينحرف خطابنا، ستجد أننا نستهلك قدراً من الطاقات ومن الجهود في غير المسار الصحيح لأننا دائماً ما نضع الشباب في موضع من هو بحاجة إلى توجيه وإرشاد ومن هو مملوء انحرافاً وفساداً وغياً وضلالاً، والقرآن الكريم لا يقدم لنا هذه الصورة أبداً عن الشباب، بل الحقيقة أن هذه الصورة يعرضها القرآن الكريم لدى غيرهم من غير الشباب من ذوي النفوذ ومن ذوي القوة ومن ذوي الأطماع ممن اكتملت مداركهم وعرك هذه الحياة، وتجد أن الشباب الصالح هم الذين يواجهون هؤلاء المتنفذين في المجتمعات، فدائماً ما يعرض لنا القرآن الكريم يعني ذكرتم إبراهيم عليه السلام ويوسف وموسى وكذا الحال بالنسبة لزكريا عليه السلام وكذا الحال بالنسبة للأسباط وكذا الحال عند عيسى وعند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعند صحبه الكرام وكذا الحال أيضاً في قصة أصحاب الكهف، سنجد أن هذه النماذج كلها كما عرضها القرآن الكريم بحاجة إلى أن نعيد صياغة نظرتنا وتصورنا لها في أذهاننا، ثم بعد ذلك يفسح لهم المجال والمعالم واضحة أيضاً، من يظن بأن المسألة معقدة لا هي ليست معقدة، وسبق لنا الحديث فيما استخلصناه من سورة الماعون من أسس تقدم تلخيصها أيضاً في جواب سابق، لا بد أن يمكن الشباب منها، تمكينهم منها لا ريب يعني التهيئة الصحيحة، الإعداد الصحيح، التعليم والتربية، إعطاء الفرصة وفسح المجال. أما أن يهمل شيء من هذه المقومات لتأهيل الشباب فلا ريب أن النتيجة ستكون كما يقول المثل العربي "يداك أوكتا وفوك نفخ"، نكون نحن الذين ضيعنا وفرطنا في هذه الطاقة الهائلة الطموحة المتفجرة القادرة على قيادة المجتمع إلى كل خير وفضيلة ورشد وبناء وتعمير. لكن حتى في الأمثلة التي ذكرتموها قد يظن ظان بأن سبب التمكن من أداء الأمانة وتحقيق رسالة الخير والرشد هو ما يظنه هو من نفسه مما أوتي إياه فامتاز به عن غيره، وسأوضح هذا الإجمال بعد قليل، لكن حكمة الله عز وجل جعلت السبب في غير ما يظنه الناس، على سبيل المثال لنأخذ الصورتين المتقابلتين يوسف عليه السلام وموسى، فأبرز صورة ليوسف عليه السلام في أذهان الناس ما يتعلق بحسنه وجماله، لكنه ابتلي بحسنه وجماله، وما نفعه إلا علمه وحكمته وخلقه. وموسى عليه السلام انتشر أيضاً ووقع في هذا كثير من المفسرين أنه قوي شديد، والحقيقة أنه ما ابتلي إلا من قوته وشدته، وما رفع وكلف بما كلف به إلا في أشد أحواله ضعفاً، فموسى عليه السلام وهو واضح من السياق القرآني أنه كان قوي البنية "فوكزه موسى فقضى عليه" وكزة بسيطة قتلته، في قصته لما ورد ماء مدين فسقى لهما هناك الجمع من الناس ولكنه هو بنفسه استطاع أن يسقي للمرأتين، ولكن قتله خطأً لذلك القبطي لذلك المصري كان سبباً لخروجه من أرض مصر ولبلوغه أرض مدين ولتركه لأمه وأخيه ومجتمعه الذي نشأ فيه ولرعيه للغنم مدة من الزمن ولانقطاعه ثم عودته وهو كما قال كما عبر عن نفسه قال "رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير"، ثم يأتي بعد ذلك وهو أيضاً المبتلى بالحبسة في لسانه أيضاً القرآن الكريم يشهد بذلك في أول ما أوحي إليه قال "رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني"، ولما طلب أخاه هارون قال "وأخي هارون هو أفصح مني لساناً"، وفرعون يعلم عنه ذلك فقال "أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين"، وإن كان بعدما دعا ربه حينما تلقى الوحي لأول الأمر حينما دعا ربه سائلاً "رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني" قال ربنا تبارك وتعالى "قد أوتيت سؤلك يا موسى"، وإذا به يناظر أعتى طاغوت في تاريخ الإنسانية، وإذا به يكون سبباً لهداية قوم كانوا من الضعف والمذلة والهوان ما لا مزيد عليه، وهم أيضاً من حيث طبعهم في غلظتهم وشدتهم على أنبيائهم ورسلهم أيضاً تاريخهم حافل بذلك، ولكن مع ذلك هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام جعل الله عز وجل سبب نصرته وتمكنه من إيصال دين الله عز وجل ورفعه الظلم عن بني إسرائيل في غير ما يظنه الناس من قوته وملكاته، بل في أضعف ما أوتي إياه، وكذا الحال بالنسبة ليوسف عليه السلام. هذه إنما هي إشارات للشباب أنفسهم بأن لا يظنوا أن الحظوة التي أوتوا إياها هي التي يمكن أن تبلغهم أداء أدوارهم الصالحة في هذه الحياة وأنهم لا يمكن لهم أن يبدعوا إن فاتتهم تلك الحظوة أو لم يكن لهم نصيب من تلك الملكات، إذ قد يجعل الله عز وجل سر إبداع وسعيهم وصلاحهم وإصلاحهم في غير ما يظنونه هم من أنفسهم، عليهم فقط أن يفجروا هذه الطاقات وأن يصلوا أنفسهم بالله تبارك وتعالى وأن يجتهدوا قدر استطاعتهم وأن يتركوا أيضاً الاشتغال بالسفاسف والتوافه وما لا نفع منه، وسيفتح الله عز وجل على أيديهم الخير والرشد.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

استفادة الشباب من نماذج الأنبياء في القرآن
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي