دلالة تشابه قصّتَي يوسف وموسى في «عسى أن ينفعنا»

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-04

السؤال

في قصة موسى ويوسف عليهما السلام وردت العبارة نفسها: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}، لكن الذي قالها في قصة موسى عليه السلام امرأة فرعون، وفي قصة يوسف عليه السلام عزيز مصر، كما أن أبا موسى لم يُذكر في هذا الموضع وأم يوسف لم تُذكر، فهل في هذا التفاوت دلالة تدبرية أو بلاغية؟

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علّمنا ما لم نعلم وفهّمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فالجواب نعم، في هذا الملحظ الذي ذكره السائل بارك الله فيه الكثير مما يمكن أن يتدبره المسلم، وذلك أن التشابه الكبير بين قصة يوسف عليه السلام وما جرى له مع قصة موسى عليه السلام وما جرى له تشابه لا تخطئه العين، لا سيما إذا تدبر القارئ فيما ورد من قصة موسى عليه السلام في سورة القصص وقارنها بما ورد في سورة يوسف عليه السلام عن قصة يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وآله وسلم.

وباختصار شديد، فكلاهما يوسف وموسى عليهما السلام تعرّضا في سن الطفولة للإلقاء في مجهول، فيوسف عليه السلام أُلقي في الجب، وموسى عليه السلام أُلقي في اليم. في قصة يوسف عليه السلام مرّ بفتن وابتلاءات حتى وصل إلى أرض مصر، فابتُلي ومُحّص حتى صار في سدة الحكم في مصر، وكانت تلك بداية وجود بني إسرائيل واستقرارهم في أرض مصر. في قصة موسى كذلك الحال تعرّض لابتلاءات ومحن عليه الصلاة والسلام ومُحّص حتى تلقى الوحي ومُكّن له وخرج ببني إسرائيل من أرض مصر. لا يعني هذا أنه لم تبقَ لهم بقية في أرض مصر، ولكن القصة وأحداثها تدور حول تنجية بني إسرائيل من فرعون وملئه ومن بطشهم الشديد بإخراج المؤمنين معه من أرض مصر.

في قصة يوسف عليه السلام العزيز قال: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}، وفي قصة موسى عليه السلام كما ذكر السائل امرأة فرعون قالت: {عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}. وفي القصتين كان ذلك على سبيل الترجي، لأن ذلك مما يخالط مقاصد البشر إذا اتسمت قلوب البشر بالرأفة والرحمة فإنهم يرجون أن يحصل لهم الخير ويذكرون هذا الخير الذي يبتغونه ويرجونه. وإذا بالتدبير الإلهي يبين أن حكمة الله تبارك وتعالى هي الغالبة وأن قدره جل وعلا هو المستحكم، فقد أراد ليوسف عليه السلام أن يُمكّن له في الأرض وأن يتبوأ في مصر حيث شاء وأن يكون إليه مرد الأمر كله، كما أراد لموسى عليه السلام بعد سلسلة من الابتلاءات أن يُمكّن له وأن يكون من أعظم أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام وأن يواجه فرعون ببطشه وشدته وجبروته وأن يؤدي رسالة رب العالمين إلى الناس في ذلك الوقت.

نعم، يختفي ذكر أم يوسف عليه السلام كما يختفي ذكر أبي موسى عليه السلام في القصتين، وهذا يندرج في ما تقدمت الإشارة إليه من حكمة الله تبارك وتعالى، فمع التشابه الكبير بين القصتين إلا أن المقصود للمخاطبين هو استيعاب أن عناية الله تبارك وتعالى هي التي تنجي بني البشر وهي التي تكفل لهم العواقب والنتائج التي يرسمها رب العزة والجلال لعباده، سواء وُجد أحد الوالدين أو لم يوجد. وكأن المشهد يريد أن يكمل الصورة، ففي قصة يوسف عليه السلام لا وجود لأمه، وفي قصة موسى عليه السلام لا ذكر لأبيه، ومع ذلك فإن قدر الله تبارك وتعالى غالب وحكمته في خلقه هي الماضية وما أراده جل وعلا هو الكائن بقطع النظر عن الظروف والأحوال التي ينشأ فيها الناشئ.

ثم هناك ملحظ آخر وهو اكتمال الصورة، فلا فقدان الأم وحنانها هو الذي دفع بيوسف عليه السلام إلى ما أوصله إليه ربه تبارك وتعالى، ولا فقدان الأب من قصة موسى عليه السلام هو الذي أثر في مسيرته. لكن أُريد -وهذا ملحظ ينبغي أن يتنبه له- إظهار الأم في قصة موسى عليه السلام لأن موسى كان رضيعاً، وحدب الأم على الرضيع أشد، ورغبتها في حياته وبقائه ونموه وكبره أعظم، فظهر هنا قصة أم موسى وهي في مواجهة طغيان أعظم وهو فرعون وملأ فرعون، فأراد الله تبارك وتعالى أن يظهر أنه هو وحده المتكفل برعاية موسى عليه السلام وأنه كما قال صُنع على عينه وأن رحمته جل وعلا بأمه وبه أعظم وأوسع وأشمل مما يتصور كل واحد منهما، فقد كانت تنجيته فيما يظهر أنه سبب هلاكه، كما كان ما حصل ليوسف عليه السلام كذلك من قبل فيما وقع فيه من مهالك وفتن كانت فيه تنجية وإيصال إلى المراتب التي أرادها له ربه تبارك وتعالى.

فإذاً اكتمال المشهد بوجود دور الأب في قصة يوسف عليه السلام وقد أصابه ما أصابه وهو فتى لم يكن رضيعاً كما هو الشأن في موسى عليه السلام، فلذلك أُظهر جانب العطف الأبوي والرعاية الأبوية وما يصيب الآباء من فقدانهم لأولادهم ومن حزنهم عليهم إذا فقدوهم وإذا غابوا عنهم سنوات متطاولة، على أن يعقوب عليه السلام هو امتداد خط النبوات وهو الذي بشره يوسف عليه السلام برؤياه ففسرها وعبّرها فثبته وبين له ما يمكن أن يحصل له، فدور الأب هنا هو الذي يظهر ويتجلى لمناسبته للسياق سياق تاريخ النبوات وقصة يوسف عليه السلام، وهناك في قصة موسى عليه السلام أُريد إظهار الجانب الآخر من الأبوة جانب الأم ودور الأخت ثم بعد ذلك دور الأخ في الدعوة والتحمل للوحي والتبليغ لرسالة الله تبارك وتعالى. هذه هي الوجوه ويمكن الاستطراد في كثير من أوجه الشبه وفي تكامل هذه الصور بين القصتين، ولكن هذا ما يتسع له الوقت بناء على السؤال، والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

دلالة تشابه قصّتَي يوسف وموسى في «عسى أن ينفعنا»
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي