أنتم تعلمون الآن أن كل الحقب التاريخية تدرس ضمن ما يسمى بالميثولوجيا أو الأنثروبولوجيا أو كتب التاريخ المختلفة التي تتناول جوانبها المتعددة ليخلص الباحث بعد ذلك إلى رأي محدد في هذا الموضوع، نحن كتابنا العظيم الذي نهتدي به ونسير في اتجاهه هو القرآن الكريم، يحكي لنا أيضاً قصصاً تاريخية طويلة، الاعتماد فيها على الجانب اللغوي يدفع مجموعة من الناس إلى تفسيرات متعددة ومختلفة، فهل نحن محتاجون مع هذا القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين إلى البحث في السياقات الأخرى؟
الإجابة
الجواب أولاً هذه القضية جديرة بالدراسة والعناية، والذي أجده من مطالعة يسيرة لوجوه الإعجاز والبيان في القرآن الكريم أن هذا البيان القرآني مشتمل على المكونات التاريخية والاجتماعية للحقب الزمنية والأحداث التي يحكيها، وسأضرب لذلك أمثلة، في قصة يوسف في سورة يوسف سنجد ألفاظاً تتكرر مع أن أغلب الأحداث وقعت في أرض مصر، فإذا قارناها أيضاً بسورة القصص وما حصل لموسى عليه السلام وكثير من الأحداث حصلت في أرض مصر سنجد أن اللغة مختلفة، على سبيل المثال نجد في سورة يوسف إشارات واضحة إلى الاسترقاق، بيع وشراء العبيد، استعمال هذه الألفاظ "الرب"، "السيد"، "وألفيا سيدها لدى الباب"، "قال اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين"، عصر الخمر، هذه الألفاظ لا نجدها في سورة في قصة موسى في سورة القصص، سأنتقل إلى مقارنة في نفس السورة لنفس الشخصية موسى عليه السلام، الحوار الذي دار بينه وبين الجنود والإسرائيليين قبل حادثة الهجرة قبل أن يهجر يهرب موسى عليه السلام من أرض مصر في الواقعتين، الألفاظ القرآنية وتركيب الجمل القرآنية يختلف عن التراكيب والألفاظ التي استعملت حينما وصل موسى عليه السلام أرض مدين، سنجد أن هناك اختلافاً ينبغي أن يدرس وأن يلتفت إليه، "فلما ورد ماء مدين وجد أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل وقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير"، هنا مباشرة هذه الألفاظ لو تلوتها على عربي قح لأدرك أن هذه البيئة بيئة عربية، نحن إلى اليوم نستعمل هذه الألفاظ "ورد" فنحن نقول "الورد"، "وردوا"، "ماء مدين" نقول نسمي هذه الآبار مياهاً وأمواهاً، "الذود" للإبل التي تستعمل للنضح "تذودان"، "السقي"، "الظل"، هذه تعكس البيئة بمكوناتها الزمانية والاجتماعية التي حصلت فيها هذه الواقعة، بينما إذا كما قلت إذا رجعنا قليلاً إلى حادثة "فوكزه موسى فقضى عليه" ستجد أن ألفاظاً تتناسب مع الحياة العسكرية والبيئة الشديدة، ولذلك حتى يعني في خروج موسى إلى أطراف المدينة وفيما حصل له ستجد ألفاظاً وسياقات لغوية تتناسب مع هذه البيئة لتكشف لنا عن جوانب اقتصادية واجتماعية ومعيشية وعن العلاقات بين الناس وعن طبيعة هذه الحياة، ولذلك فلا يمكن أن ينظر إلى هذا الوعاء اللغوي مجرداً من هذه المكونات، فكيف إذا كان هو الذي يسمح لنا بهذا وهو الذي يفسح المجال ويطلب منا أن ننظر فيه لنصل إلى كنه ما هو فوق المعاني المجردة لهذه الألفاظ، لكن دون تكلف بحسب ما يسمح تسمح به اللغة ويسمح به السياق، فلا يأتي أحد أيضاً ويتكلف في حمل الألفاظ على غير معانيها بدعوى أيضاً نظريات يأخذها نظريات اجتماعية أو نظريات تاريخية فيريد أن يسقط الألفاظ القرآنية عليها وأن يلوي أعناقها لتوافق هذه النظريات، لا، الأصل أن يحصل العكس، فعسى أن يكون في هذا كفاية لهذه القضية.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.