تفسير قبضة من أثر الرسول في قصة السامري

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-04

السؤال

أحد الإخوة يسأل عن معنى قوله تعالى: {قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}، مجموعةٌ من المصطلحات والمعاني يبحث عن دلالتها وتفسيرها.

الإجابة

نعم، الجواب أولاً هذا حكايةٌ على جواب السامري لموسى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي}. ودعني أبدأ بما عليه جمهور المفسرين، مع أني لا أتفق معه جملةً ولا تفصيلاً، لكن لأهميته وانتشاره، أي لانتشاره وشيوعه وذيوعه لا بد من ذكره ولو ملخصاً، ثم أبين الصواب في معنى هذه الآية الكريمة مما عليه أيضاً عددٌ من محققي المفسرين من المتقدمين والمتأخرين. أما الذي انتشر وشاع فهو أن السامري رأى جبريل عليه السلام على فرس في حادثة الخروج، وقيل في مناسبةٍ أخرى، ورأى أن موضع حافر فرس جبريل عليه السلام لا يصيب موضعاً إلا اخضرّ، فأخذ قبضةً من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام، ثم لما وسوس إلى بني إسرائيل، إلى ضعفاء الإيمان منهم وإلى السفهاء الذين كان قد استشف منهم تطلعهم إلى أن تكون لهم آلهة حينما مروا على القوم فقالوا لموسى عليه السلام: {اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، فأبطن ذلك في نفسه، فكان ما كان من أمر الأثقال التي تحملها بنو إسرائيل من زينة المصريين، فقذفوها وقام السامري بصناعة عجلٍ منها، ثم رمى تلك القبضة في العجل، في ما جمعه مما كان بنو إسرائيل قد تخلصوا منه من حليهم، فهنا بعض المفسرين يقولون بأن العجل صار حياً، ومنهم من اقتصر على أنه له خوارٌ كخوار العجل الحي. وعلى هذا حملوا {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} أي أنه رأى جبريل عليه السلام، {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} أي أخذت من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام قبضةً من التراب لأني، لأنه رأى هكذا يقولون أن الموضع الذي يطؤه يخضرّ، {فَنَبَذْتُهَا} أي في العجل الذي كان يصنعه لهم، فأخرج لهم كما قال القرآن الكريم {عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}. وهذا الذي عليه أكثر المفسرين لكن التكلف فيه ظاهر. والغريب أن هذه القصة ليست من الإسرائيليات، ولا هي مستندةٌ إلى رواية ولو ضعيفة فضلاً من أن تكون حسنةً أو مقبولة، ليست هناك أي رواية ضعيفة لما ذهبوا إليه في تفسير الرسول والقبضة والنبذ. ولذلك فالأقرب أنه من صنيع القصاص، وقد ذهبوا لأبعد من ذلك، فقالوا إن السامري هذا كان من المواليد التي ربتها الملائكة من مواليد بني إسرائيل حينما كان فرعون وملؤه يذبحون أبناء بني إسرائيل، فإنهم كانوا يخفونهم عنهم، كان بنو إسرائيل يخفون بعض مواليدهم فتعهدتهم الملائكة وكان السامري من نصيب جبريل عليه السلام وهو الذي يتعهده، وهذا موجودٌ في كتب تفسيرٍ معتبرة، ولذلك قالوا بأنه عرفه لما رآه، أي لما رأى السامري جبريل عرفه فتتبعه ببصره ورأى ما رأى فأخذ حفنةً من تراب فرس حافر فرس جبريل عليه السلام. إذاً التكلف بادٍ، ولا مرجع صحيح لهذه القصص ولهذا التأويل، ومع ذلك فإنه منتشرٌ عند كثيرٍ من المفسرين بل عند جماهير المفسرين. ولكن الصواب، وقد ذهب إلى هذا من المتقدمين أبو مسلم الأصفهاني في تفسيره، والزمخشري وحكى كلام أبي مسلم الأصفهاني، والفخر الرازي ورد بوجوهٍ حسنة ما عليه جمهور المفسرين، ومن المتأخرين أيضاً ممن حرره تحريراً جيداً العلامة الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير. ما الذي ذهب إليه هؤلاء؟ قالوا بأن السامري {بَصُرْتُ} لما قال {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} هو ما من البصيرة، مما اطلع عليه وعرفه من أمر بني إسرائيل وتطلعهم إلى اتخاذ آلهة، ومن ادعائه أنه مطلعٌ على أمورٍ لم تنكشف لبني إسرائيل، وما أضمره في نفسه مما كان يدعو بني إسرائيل إليه ما يتقنه من صناعة التماثيل والأصنام، ومن الحيل التي يتقنها حتى تبدو مختلفة مميزة جديرة بأن يتوجّه إليها. ومنها الخوار، نعم. "بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول"، هنا يخاطب موسى عليه السلام، فسيدنا موسى هو الذي كان يسأله، نعم، ولا إشكال في مخاطبة المخاطب بصيغة الغائب، فهذا كثير حينما يخاطب الرجل، وهذا استشهد به أيضاً الأصفهاني في تفسيره حينما يخاطب أميراً فيقول: ما الذي يريده الأمير؟ مع أنه يخاطب الأمير، فيتحدث عنه بصيغة الغائب مع أنه يخاطبه. وقد يُحمل من ذلك الوصف الذي أنه خاطب سيدنا موسى بالوصف الذي يصفه به بنو إسرائيل والذي هو عليه، فقال: "فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها"، هو لم.. الأثر هنا بمعنى السنّة والهدي الذي جاء به موسى عليه السلام، فهو لم يأخذ منه إلا قبضة يسيرة لنفاق وكفر في قلبه، وهذه القبضة اليسيرة مع ذلك نبذها واطرحها وأهملها، ولذلك صنع لهم؛ لأنه لم يكن متلبساً بحقيقة الإيمان ولم يكن داخلاً فيه، كان يضمر الكفر والنفاق وكان يهوى صناعة التماثيل والأوثان والأصنام. فلذلك قال: "فقبضت قبضة من أثر.." هذا ما كنت عليه، لم يأخذ من الرسول إلا الشيء اليسير من أثر الرسول من سنته وهديه، ومع ذلك فقد نبذتها، بلغت الحد الذي أنبذ فيه حتى ذلك القدر اليسير الذي أخذته من هدي الرسول من أثر الرسول، "وكذلك سوّلت لي نفسي". والرسول هو موسى عليه السلام، فلا حاجة إلى التكلّف، هذا هو المعنى الذي يتفق مع السياق القرآني، ولذلك كانت أيضاً يعني أولاً مما يمكن أن نشير إليه ولو إجمالاً ولا حاجة إلى الخوض في تفاصيله، أن السامري وصف أو لقب هو ليس اسماً له، ورد في القرآن الكريم يعني بأل التعريف وبدونها، قال: "ما خطبك يا سامري". وكان معروفاً؛ لأن موسى عليه السلام في بداية القصة في طه قال: "وما أعجلك عن قومك يا موسى"، لما أخبره "وعجلت إليك رب لترضى"، قال: "فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري"، فآذن الله تبارك وتعالى سيدنا موسى بما صنعه السامري، مما يعني أنه كان معروفاً، فهل كان ينتسب إلى فرقة من بني إسرائيل معروفة؟ هذا محتمل قريب، وهذه الفرقة بهذا الاسم هل كانت لوصف متصل بها؟ وكثير من المعاصرين يرون بأن اشتقاق هذه الكلمة أنها من.. في أصلها العبري تدل على الحفظ والصيانة والحراسة، فكانوا متكفلين بصيانة شيء ما وحفظ شيء ما، ذلك وارد. هل كانوا ينسبون إلى مكان؟ ذلك أيضاً وارد، كله محتمل، الحاصل أن السامري ليس اسماً له وإنما كان وصفاً معروفاً به، كان معروفاً ولذلك تحدث عنه بهذه الصيغة في القرآن الكريم، وكان من شأنه ما كان، لما سمع منه موسى ذلك قال: "فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس"، هذه العقوبة الدنيوية التي ذكرها موسى عليه السلام التي أخبره بها، النفي "فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس"، هناك ثلاثة احتمالات مقبولة أيضاً، ما عليه أكثر المفسرين من أنه لا يَمَس ولا يُمس، لا يستطيع، فابتلي ببلاء عظيم لا يستطيع أن يخالطه أحد ولا أن يخالطه أحد، هذا الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني أنه لا يستطيع أن يمس النساء فينقطع بذلك نسله ويموت ذكره، هذا وارد. الاحتمال الثالث: "قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس"، أي ليست هناك عقوبة دنيوية عليك، يمكن لك أن تقول بأنه لا مساس، لن يمسك موسى ولا بنو إسرائيل بسوء وبعقوبة في الحياة، "وإن لك موعداً لن تخلفه"، فالوعيد في الآخرة، فهذه احتمالات كلها مقبولة، الترجيح بينها يحتاج إلى اجتهاد، لكن سياق القصة بهذا الترابط يؤكد أن معنى ما حكاه الله تبارك وتعالى على لسان السامري في الآية المسؤول عنها قال: "بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي"، معنى صحيح متفق مع هذا النسق القرآني في القصة ولا حاجة إلى التأويل. يعني يمكن أن يعترض باعتراضات كثيرة على ما ذهب إليه الجمهور، أولاً من أين أتوا أن جبريل عليه السلام هو الذي جاء إلى موسى حينما انفلق البحر؟ وأن جبريل عليه السلام جاء راكباً فرساً؟ ثم إن هذا الفرس أيضاً يطأ بموضع قدمه فتخضر، من أين أتوا بذلك كله؟ وما هي الميزة التي جعلت السامري هو الذي يشهد ويرقب هذا كله؟ لم يرَ هارون عليه السلام لم يرَ ذلك ولم ينسب إليه، المؤمنون الأتقياء من بني إسرائيل مع موسى عليه السلام لم يحصل منهم ذلك، يأتي هذا ويزعم بأنه رأى مثل هذا، ثم لم يعهد في السياق ليس هناك ذكر لجبريل عليه السلام حينما نقول بأن الرسول هو جبريل "فقبضت قبضة من أثر الرسول"، أين هو ذكر جبريل عليه السلام؟ ليس هناك لا عهد ذهني ولا عهد ذكري لجبريل عليه السلام. وهذا قاله الإمام الرازي قال: ولم يرد في القرآن الكريم الإشارة إلى جبريل عليه السلام بالرسول إلا إذا كان مقترناً ببيان أنه الروح الأمين، قال: "إنما أنا رسول ربك"، لأن قبلها قال: "فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً"، أما في غير ذلك فلا إشارة إلى جبريل عليه السلام أنه الرسول، وكما قلت اختلاق وجود جبريل عليه السلام وأعجب منه احتياج جبريل إلى فرس، وأعجب من في هذا المشهد كله أن يرى وقع حوافر فرس جبريل، ولذلك هناك تكلف حتى في التأويل، يعني لما "فقبضت قبضة من أثر الرسول"، وهذا أيضاً قاله الرازي: فقبضت قبضة من أثر حافر فرس جبريل، هذا تكلف بعيد عن النص القرآني. فالخلاصة أن هذا ينبغي أن يطرح ويلتفت إلى هذا المعنى الصحيح الموافق للسياق القرآني القريب من العقل والقلب فيما يظهر، والذي عليه أيضاً كما تقدم عدد من المفسرين الكبار، والله تعالى أعلم، وأعتذر عن الإطالة. وهذا أعجب، هذا القول هذا قول عجيب جداً، إذاً كانوا وهذا قاله الرازي أيضاً، كانوا سيعترضون على موسى أنه لم يكن يأتيهم بوحي من عند الله تبارك وتعالى وإنما كان يصنع مثل هذا الصنيع، فتبطل بذلك نبوته كلها. وأما استطراداً إن كان هناك ولو نصف دقيقة لأنك أشرت إلى هذا المعنى، "فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار"، لم يعدُ أن يكون هذا العجل صنماً، لكنه صنم مميز كبير، ولذلك وصفه حينما يذكر يعني في القرآن الكريم يوصف بالعظم "عجلاً جسداً"، ثم "له خوار"، هذا هو ما يعرفه السامري، عنده من الحيل ما أيضاً تبسيط المسألة والظن بأنه فتحة في المقدمة وفتحة في المؤخرة فيدخل الهواء والريح، لا هذا أيضاً فيه قدر من التبسيط ما كان يعني بنو إسرائيل ستنطلي عليهم هذه الحيلة لو كانت بهذه البساطة، فيبدو أنه يتقن فعلاً من الحيل ومن فنون الصناعة ما هو خفي عليهم وما يحدث صوتاً له خوار، له صوت يعني يدعوهم إلى تعظيمه. فهذا غاية ما في.. والقرآن الكريم أيضاً يعني هذه الألفاظ "فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار"، كبرهان حسي نعم شيء حسي لكن له شيء مختلف عما ألفوه وعهدوه، وجدوا فيه بغيتهم، لامس شيئاً، وهذه قضية أخرى ما بين بني إسرائيل وعبادات عبادة البقر والعجول، هذه قضية أخرى جديرة بالدراسة مما ورد في كتاب الله عز وجل.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

تفسير قبضة من أثر الرسول في قصة السامري
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي