تأويل قطع يد السارق بالمنع والحبس

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الحدود 2026-11-06

السؤال

بعض المعاصرين أوّل آية قطع اليد في السرقة بمعنى المنع والحبس، كمن يقول قطع الطريق وليس القطع الحسي، والقرآن ذكر المبالغة في التقطيع {وَقَطَّعْنَ} في قصة يوسف مع النسوة، إلا أنها كانت جروحاً بسيطة ولم تكن قطعاً لليد، ما رأيكم؟

الإجابة

أولاً لننظر في معنى اللغة، في دلالة اللغة، فالقطع في اللغة بمعنى الصرم والإبانة، هذا هو معنى اللغة، المعنى الحقيقي لكلمة القطع، يقصد من ذلك الصرم والإبانة. ثم لننظر في استعمال كتاب الله عز وجل للقطع، الآية السابقة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ}، كيف يتحقق معنى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف؟ أي بمخالفة، اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، واليد اليسرى مع اليد اليمنى واليد اليسرى مع الرجل اليمنى، كيف يتحقق معنى الحبس وما يذكره هؤلاء من النفي من الأرض؟ النفي من الأرض أيضاً ورد في هذه الآية الكريمة في آخر العقوبات {أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} فهي عقوبة مستقلة. إذن هذه الآية الأولى. في وعيد فرعون الطاغية حينما رأى السحرة أن ما أتى به موسى عليه السلام ليس من صنيع السحر وإنما هو معجزة من الله تبارك وتعالى الخالق، توعدهم فرعون فقال: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}، هل كان فرعون يريد أن ينفيهم أو يحبسهم أو يطردهم؟ لكان ذلك أمراً هيناً عليهم، فهم كانوا أصلاً لا سيما من بني إسرائيل كانوا في تنكيلٍ وتعذيبٍ وسخرةٍ من فرعون لا مزيد عليها. ولا يصح لا يمكن في هاتين الآيتين أن تحتمل أي واحدة منهما معنىً آخر. في قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} في سورة الحشر، يعني ما المقصود {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا} إلا تقطيع صرم هذه النخيل، جذ هذه النخيل، أو أن تترك قائمة يبيح الله عز وجل لهم ذلك في حصارهم لليهود. في قوله تعالى: {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}، أيضاً ما المقصود بـ {لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}؟ لا يحتمل معنىً غير المعنى الذي قررته اللغة حقيقةً في دلالة هذا الفعل، ومنه أخذت باقي المعاني، أي من هذا المعنى الحقيقي، فالأصل أن ينصرف إلى هذا المعنى الحقيقي، فإن وجدت قرينة يمكن أن تصرف المعنى إلى معنىً مجازي معقول فلا إشكال حينئذٍ، لكن لا قرينة، هذه الآيات كلها تدل على أن القطع يقصد به الاستئصال والإبانة، الصرم. وكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني في الرواية من طريق السيدة عائشة لما جاءت لما كانت المرأة المخزومية كانت يعني تستعير المتاع ثم تجحده، فرفع أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يدها، تحركت قريش كلها للشفاعة لأنها كانت من بني مخزوم، هل تحركت يعني قريش لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد أن ينفيها أو أن يحبسها أو أن يقطع رزقها؟ وإنما لأنهم يعرفون معنى القطع ما دلالته، بل ورد في بعض الروايات أن يد هذا السارق بعد قطعها تعلق في رقبته، وفي هذه الجزئية خلاف عند الفقهاء، لكن الحاصل أن الروايات أيضاً، إذن اللغة وكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها دالة على هذا المعنى. أما استعمال صيغة تضعيف في سورة يوسف: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْن أَيْدِيَهُنَّ}، فذلك يدل على دلالتين، إما أن تكون كل واحدة منهن جرحت نفسها بأكثر من جرح، أو بالغن في الفعل نفسه فأوشكن على إبانة الأيدي من شدة الجروح التي أحدثنها في أيديهن، ولذلك اشتهر أمرهن، فحتى حينما أراد الملك أن يخرجه من السجن قال ارجع إلى أتاه الرسول قال: {ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، ما الذي فعلنه إذن هؤلاء النسوة؟ هل لما قطعن أيديهن حبسن أنفسهن بعد ذلك؟ أو أنهن يعني خرجن من أرض مصر؟ ودلالة ذلك أن أمرهن افتضح وانكشف، فأتى بعد سنوات يوسف عليه السلام ليذكر القوم بأن يستدعي أولئك النسوة اللاتي أصبحن في يومٍ واحد كلهن مصابات بجروحٍ في أيديهن، فدل على أن أمرهن انتشر وشاع، ولذلك جعل يوسف عليه السلام ما فعلنه من تقطيع أيديهن بالسكاكين علامةً على النساء اللاتي يريد أن يستشهد بهن على براءته، والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

تأويل قطع يد السارق بالمنع والحبس
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي