السؤال
«فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ» في سورة المائدة طبعاً، لم يرد هنا ذكر الشيطان في أول معصية تقع على الأرض، ما الذي يمكن أن نستفيده من هذه الآية؟
الإجابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فقبل الجواب على هذا السؤال، لي تنبيهٌ يتصل بهذا الجزء الأخير الوارد في هذا السؤال، وهي إن صح التعبير المعلومة الإحصائية التي أوردها في سؤاله، وهي قوله «في أول معصية تقع على الأرض». هذه من الجمل والعبارات التي يكثر تداولها وللأسف الشديد فإن بعض أهل العلم يوردونها أيضاً، لكن لا مستند شرعي ولا عقلي يدل عليها، فإن اعتبار معصيةٍ ما أول معصية ترتكب في هذه الأرض يحتاج إلى دليل، وإما أن يكون هذا الدليل دليلاً شرعياً، سواءً كان آيةً من كتاب الله عز وجل أو حديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دليلاً مستنبطاً من هذين المصدرين، أو أن يكون دليلاً عقلياً تقوم به الحجة، لكن لا دليل على هذا، ونحن ندعو طلبة العلم وإخواننا وأخواتنا إلى التأمل في مثل هذه الأقاويل أو الجمل التي ترد في ثنايا بعض الكتب. فهذا الموقف نفسه، الموقف الذي كان بين ابني آدم كما قال الله سبحانه وتعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» إلى آخر السياق الذي ورد فيه حكاية القصة. لماذا لم يتقبل من الآخر وتقبل من الأول؟ إنما تقبل من الأول لأنه من أهل الصلاح، وتقبل من الثاني لأن الله سبحانه وتعالى إنما يتقبل من المتقين، فهذا لم يكن من المتقين، ولا يكون كذلك إلا إن كانت قد سبقت منه خطايا ومعاصٍ. وهذا يعني أن هناك خطايا قد سبقت هذا الفعل، نعم لو قال السائل أو اعتبر أن هذا أول سفك دم لكان في ذلك مساغ، لأن هذه الآية أو بعد هذه الحكاية جاء قوله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» إلى آخر الآية. هذا هو التنبيه الذي أردته وهو يعني تنبيهٌ جزئي، لكن الذي نستفيده منه ونحن نتذاكر مثل هذه المسائل أنه لا ينبغي لنا أن نمرر على عقولنا سائر ما نجده في الكتب، بل ينبغي لنا أن نفحصه وأن نعرضه على الأدلة الشرعية، وهذا من مناهج التعلم المعروفة. أما ذات السؤال فيما يتصل بعدم وجود الشيطان أو إبليس حسب تعبير السائل، فإن لهذا وجوهاً محتملة. أولاً أو الوجه الأول والاحتمال الأول هو أن يكون المراد من إظهار هذه القصة والموقف الذي كان من هذا الذي أدى به الحال إلى قتل أخيه هو بيان ما تردد في خلجات نفسه وذلكم الصراع من قبل نار الحسد التي اشتعلت في قلبه وبين الخشية والخوف من الله سبحانه وتعالى، وهذا يفهم من قوله تعالى «فَطَوَّعَتْ»، فالتطويع أي جعل الشيء مطاوعاً، والمطاوعة هنا إنما كانت لوساوس النفس، وهذا معروف فإن ما يرتكبه الإنسان من أخطاء قد يكون بفعل وساوس الشيطان وقد يكون من النفس الأمارة بالسوء كما نص الله عز وجل أيضاً في سورة يوسف عليه السلام: «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»، وقد يكون وهذه الوسوسة أو هذه الاستجابة لبواعث النفس إنما هو استجابة للهوى والشهوات والرغبات دون أن يكبح ذلك بالخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى. هذا وجه، قد يكون الوجه الآخر هو أنه سبقت وسوسةٌ من الشيطان لابن آدم هذا، ولكن هذه الوسوسة تجاوبت معها نفسه ثم صار صارت تلك الخلجات التي ترددت في حنايا نفسه وطغى بعد ذلك البغي والعدوان عليه فارتكب تلك الجريمة الآثمة. فلا يلزم من عدم ذكر وسوسة الشيطان أنه لم يكن حاضراً، ولا يعني ذلك أيضاً أن وسوسة الشيطان هي ليست مما يؤدي بالعباد إلى الغواية والضلال، فإن هذا ثابتٌ بنص كتاب الله عز وجل، وأظن أنه قد تم تناول هذا الموضوع في حلقةٍ خاصة. لكن مما ينبغي أن نتنبه له، وهذا الشهر المبارك فرصة لكي نتنبه لمثل هذا الأمر، أن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذنا بوسوسة الشيطان ولا يؤاخذنا بما توسوس به نفوسنا الأمارة بالسوء، وإنما المؤاخذة والمحاسبة تكون باستجابتنا لذلك. فالله سبحانه وتعالى لما حكى لنا في كتابه الكريم ما يمليه الشيطان وما يزينه من أفعال للإنسان، حكى عن الشيطان نفسه أنه يقول يوم القيامة: «وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي»، هذه الاستجابة هي التي يحاسب عليها الإنسان وهي التي يؤاخذ بها الإنسان، وكذا الحال بالنسبة لوساوس النفس، فإنه إن دفعها كان ذلك في ميزان حسناته، وإن استجاب لها وانقاد فإن ذلك يعني أنه سوف يتحمل عاقبة ذلك وسوف ينال جزاء عمله الذي استجاب به لوساوس نفسه التي لم يكبحها، وكثيراً ما تأمر النفس صاحبها فهي تأمره بارتكاب الغواية وبمجانبة الصواب والبعد عن الحق لأنها من أعدى أعداء الإنسان، وذلك لأنها من داخله. فمما يلفت إليه القرآن الكريم في مثل هذا الموضوع بحكاية هذا اللفظ وهذا التعبير القرآني في ظني أن فيه كل هذه الدلالات والمعاني، فضلاً عما يشتمل عليه أيضاً من أن باعث ارتكاب هذا الابن لهذا الظلم والبغي على أخيه إنما كان الحسد، ومصدر الحسد النفوس، فهي التي يستعر داخلها نار الحسد على ما أولى الله سبحانه وتعالى عباده من نعم، وهذا ما حصل في هذه القصة التي كانت بين ابني آدم، والحسد حينما يستعر بالنفوس ولا يجد ما يكبحها فإنه لا شك سوف يؤدي بالإنسان إلى أن يرتكب مثل هذه الخطايا والعياذ بالله.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- معنى «أن تبوء بإثمي وإثمك» سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ندم ابن آدم الثاني بعد القتل سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- دافع قابيل إلى قتل أخيه الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- هل ابنا آدم هما قابيل وهابيل ونبوة آدم سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- عصمة الأنبياء ومعنى عصيان آدم الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي