معنى «أن تبوء بإثمي وإثمك»

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#التفسير 2026-11-06

السؤال

{إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}، وهذا في الحوار الذي جرى بين ابني آدم عليه السلام، يقول: كيف يريد الأخ لأخيه أن يبوء بالإثم؟

الإجابة

أولاً لنبيّن معنى الإباء بالإثم أو البوء بالإثم، {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. أفضل الوجوه التي يحمل عليها معنى هذه الآية الكريمة هو أنه يبوء بإثم قتله، ويبوء بإثم خطئه وضلاله الذي كان سبباً لحرمانه من قبول قربانه، فيرجع، يبوء أي بمعنى يرجع، بإثمين: إثم قتله لأخيه، وإثم معصيته المتقدّمة التي كانت سبباً في حرمانه من قبول عمله، من قبول قربانه. هذا هو أفضل الوجوه في حمل معنى {تَبُوءَ بِإِثْمِي} أي بإثم قتلي، {وَإِثْمِكَ} أي إثمك المتقدّم، بإثم قتلي إن قتلتني. هذا هو أفضل الوجوه، ويشهد له السياق كما تشهد له اللغة وتركيبها. أما، وهو الذي استشكله السائل، كيف أراد وهو الصالح التقي، كيف أراد الإثم لأخيه ولم يرد له الخير والهداية والتوبة؟ هذا معنى سؤاله. والجواب أن الحوار المتقدّم يفضي إلى هذه النتيجة، فإن هذا الأخ الذي تقبّل الله تعالى قربانه اجتهد في موعظة أخيه، يقول ربنا جل وعلا: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ}. أول موعظة وتذكير من هذا الأخ الذي تُقبّل قربانه لأخيه الذي هدده بالقتل وأراد استفزازه بقوله {لَأَقْتُلَنَّكَ}، قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}. فهو يذكّره أنه إن كان لم يُقبل منك عملك فذلك لسبب راجع إليك، ولسبب قائم فيك، لا لسبب يعود إليّ أنا، ويذكّره بأن مناط قبول الأعمال إنما هو تقوى الله سبحانه وتعالى. ثم تدرّج بعد ذلك في موعظته إياه، قال: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}. هنا مرة أخرى يؤكده ويذكّره بكل حلم ورابطة جأش، ويذكّره برابطة الأخوة التي بينهما، وبعظم الجرم الذي هو على وشك الإقدام عليه، يقول: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ}، ليس هذا من صفتي ولا يليق بي أن أفعل مثل هذا الجرم وأن آتي أو أقارف مثل هذا الإثم، ومناط ذلك إلى خوفه من الله تبارك وتعالى {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}. فهو يزداد درجة في موعظته وتذكيره ونصحه، فإن لم يجدِ ذلك نفعاً فلا مناص الآن من أن يبوء بالإثم أحدهما، فإن كان الحال كذلك ولم يكن محيص، لم يكن بد من أن يبوء بالإثم أحدنا، {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}. فليس المقصود بالذات إرادة الإثم لأخيه، وإنما يريد أن يدفع عن نفسه الإثم، أن يحمل الأوزار وأن يأثم بقتل أخيه، وكان من لوازم ذلك أن يريد لأخيه، ألا يريد لنفسه من لوازمه أن يريد ذلك لأخيه بعد كل ما تقدّم منه من وعظ ونصح وتذكير. هذا هو الوجه الذي يذكره أغلب المفسرين. وقريب منه وجه آخر مقبول، وهو أنه مستحق لذلك، فالإثم بمعنى العقوبة، ولذلك هو مستحق لذلك، هدده بالقتل أولاً، ومع تذكيره له ونصحه إياه ومبالغته في زجره إلا أنه لم ينتهِ، فهو متعمّد مصرّ مصمّم على ما أراد أن يقوم به، فحينئذ هو مستحق للعقوبة، وهذا يفهم من تذييل الآية بقوله تعالى في الآية: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. فاستحقاقه لذلك إنما هو بسبب ظلمه أو مقارفته للظلم حينئذ، والله تعالى أعلم. واضح، حتى الآية التي يعني جاءت من بعد: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ}. هذا الفعل {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} يؤخذ منه ما حصل في نفس ذلك الأخ من تردد، حتى شجعته نفسه على الإقبال، حصل هناك تردد، حصل هناك تلجلج، حتى غلبته نفسه الأمارة بالسوء وغلبه الشيطان واتبع الشر والسوء، فشجعته نفسه فكانت منه المطاوعة، كانت المطاوعة من نفسه لدواعي الشر هذه، فهذه الآية أيضاً يعني تظهر أثراً لما تقدّم من حوار ومناصحة من هذا الأخ التقي الصالح لأخيه الذي هدده بالقتل وأراد استفزازه.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

معنى «أن تبوء بإثمي وإثمك»
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي