السؤال
السؤال يتعلق بإهمال الأسرة، إهمال حقوق أفراد الأسرة بين الزوجين، بين الوالدين والأولاد، مما يفضي إلى تشظي هذه الأسرة ونشوب الخلافات وضياع الذرية من بعد، والسؤال يدور حول طرق العلاج فيما أتصور.
الإجابة
قبل قليل كنا نتحدث عن أهمية التواد والتعاطف والتراحم، وأنها صفة المسلمين، فلئن كانت مع عموم أهل هذا الدين من ألزم صفاتهم، فهي داخل الأسرة ألزم وأجدر، هل يمكن أن نتحدث عن حسن معاملة بين الجار وجاره، بين المسلم وأخيه المسلم، ثم بعد ذلك يتصور أحد أنه معذور إن أساء داخل أسرته؟ لا يمكن، بل الأسرة أولى، أول ما أُنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة المدثر: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)}، أُمر أن يبدأ بأسرته عليه الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الخير، في إيصال رسالة الحق إليهم، وهو عليه الصلاة والسلام كان القدوة العليا والمثل الأسمى في حسن معاملته لأهل بيته، ولا يظنن ظان أن هذا إنما هو من التفضل على الأسرة، وأن غيره من أفراد الأسرة محتاج إليه، لا، في الحقيقة يخطئ من يقول هذا الكلام، التربية والرزق والإصلاح والهداية كلها نعم من عند الله عز وجل يبسطها لمن يشاء، لكن أنت في حاجة إلى أن تعبد الله عز وجل فيما آتاك من مسؤولية، فيما حمّلك من أمانة، تحسن فيها أو تسيء، أنت تختار لنفسك، أنت أحوج إلى أن تؤدي حقوق أسرتك، لماذا؟ لأن الله عز وجل سائلك عن هذه الحقوق، سوف يسألك عن اختيارك لامرأتك، سوف يسألك عن تربيتك لولدك، حتى عن اسمه، إن أسأت اختيار اسم ولدك سوف تحاسب على ذلك، قد يكون صالحاً عالماً جليلاً لكنك المقصر، سوف يسألك عن رزقك، عن الطعام الذي تحضره لأسرتك أهو من طيب الرزق أو من خبيثه، هم في عذر وسعة، أنت المسؤول، سوف يسألك عن عدلك بين أولادك، عن عدلك بين نسائك إن كنت متزوجاً لأكثر من امرأة، عن أدائك لحقوق امرأتك، وكذا الحال بالنسبة للمرأة، سوف يسألها عن حقوق زوجها وعن حقوق أولادها وعما فعلت في أمومتها، سوف يسألها عن حفظها لمال زوجها، هي المحتاجة، لا يظنن ظان أن الأولاد هم الذين يحتاجون، أن غيري هو الذي يحتاج إلى أن أكون محسناً، لا، {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، فأنت المحتاج، ولذلك إذا انطلقنا من هذا الفهم سهل علينا بعد ذلك أن نؤدي هذه الحقوق، والحقوق لعلي أشرت إليها، هناك حقوق بين الزوجين، هناك حقوق للأولاد، هناك أيضاً واجبات على الأولاد لآبائهم وأمهاتهم، هذه تحتاج إلى تفقه، تحتاج إلى قدوة حسنة، هل يعني يعقل أن يكون الوالد، أن يكون الأب أو أحد الوالدين أن يكون سيء الخلق، غليظ القلب، قاسياً، ثم يرجو بعد ذلك من ولده أن يكونوا محسنين بارين به؟ يداك أوكتا وفوك نفخ، فإن كنت محسناً إليهم سهّل الله عز وجل بعد ذلك أن يكون الأولاد بررة، فإن لم يكونوا كذلك فقد أديت الذي عليك بالمناسبة أيضاً، حتى لا يظن ظان أنه يعني هذه نتيجة مضمونة، لا، عندنا أنبياء ورسل كرام، ولكن مع ذلك كان نساؤهم، بعض نسائهم أو كان أولادهم، تعرفون نوح عليه السلام، نوح عليه السلام ابتلي بامرأته وابتلي بولده وهو من هو، تسعمائة وخمسون سنة يبلغ دين الله تبارك وتعالى ومع ذلك ما تحرك قلب امرأته، ولما جاءت لحظة النجاة أبى ابنه أن يركب معه في السفينة، قال: {سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ}، بينما امرأة فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}، ضرب الله تعالى بها مثلاً لأحسن نساء العالمين، إذ قالت: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}، وهي تعيش في قصر لكنها لا تراه شيئاً، تعيش مع من، مع صاحب القوة والسلطة والملك والجيوش والأموال والكنوز، لكنها كانت مؤمنة تقية ضرب الله تعالى بها مثلاً في الصلاح، إذاً لكن هذه الأمثلة لبيان ما تقدم من أنك أنت المسؤول، عليك أن تتقي الله عز وجل في الأمانة التي حُمّلت إياها، ثم هذا لا يعني قطعاً أن يترك واجبات التربية أو بين قوسين التأديب، لكن التأديب لا يعني العنف، التأديب إنما هو حسن التربية، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «علموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»، لماذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يعطي هذه الفرصة ثلاث سنوات والوالد يعلم ولده الصلاة ويحثه عليها ولا يأذن له بالضرب إلا عند العاشرة؟ وهذا الضرب يقصد به التأديب أيضاً بما يتناسب مع سن الولد وطاقته، لا يقصد منه التشفي، لا يقصد منه تفريغ الغضب كما يقال، وإنما يراد منه إصلاح الولد بقدر ما يحقق هذه الغاية، لأننا واقعون أيضاً اليوم بين أسر تبالغ في ترفيه أولادها وعدم الاكتراث بما يصوغ لهم شخصياتهم وما يبني لهم أخلاقهم وما يمكنهم من معاني الشخصيات التي يحتاجون إليها، فإن كان ذكراً من معاني الرجولة التي يحتاج إليها، وإن كانت أنثى من معاني الأنوثة التي تحتاج إليها لتؤدي رسالتها ودورها في المجتمع، يهملون كل ذلك بسبب ما بسطه الله عز وجل علينا بحمده وفضله من رزق، فتجد أنهم يهملون ويعيش الأولاد للأسف الشديد في ترف ورفاهية ويدفعهم ذلك إلى المجون والسفه، لا، هذا ليس من التربية في شيء، هناك رواية وإن كان لبعض المحدثين نظر فيها لكن كتاب الله عز وجل يشهد لها: «ما نحل والد ولده نحلة خيراً من حسن الأدب»، لما في سورة الكهف لما أتى موسى عليه السلام مع العبد الصالح على قرية فطلبوا ضيافتهم، {فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا}، أهل القرية كانوا أشحة فرفضوا إضافة موسى عليه السلام ومن معه، العبد الصالح وفتاه، فأبوا أن يضيفوهما {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}، بنى جدار، كيف فسر بعد ذلك هذا العبد الصالح لموسى عليه السلام ما قام به؟ لأن موسى عاتبه، قال: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}، هنا فارقه، حينما فسر قال: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}، فلأن أباهما كان صالحاً حفظ الله عز وجل لهما وهما يتيمان، حفظ الله تعالى لهما ولدهما، فينبغي لنا أيضاً أن نلتفت إلى العواقب، فنؤدي أماناتنا ونحقق هذه المسؤوليات، نلتزم بما علينا، والله عز وجل يتكفل لنا بعد ذلك بالنتائج وحسن الخاتمة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى كل خير وأن يجمعنا على طاعته.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- التقصير في حق الأهل والأولاد الجواب المفيد، الشيخ إبراهيم الصوافي
- تقصير الزوج في حقوق أسرته وضرب الأولاد على الوجه فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- ضرب الطلاب والأبناء عند الخطأ وضوابطه فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- ما هو دور الأسرة في الإسلام فتاوى الشيخ أحمد الخليلي
- تحصين الأولاد من أفكار مواقع التواصل جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي