السؤال
العلوم الشرعية ما الآثار التي تتركها على الذي يشتغل بها؟ هل يمكن أن يكون الذي يقوم بالمحاضرات والدروس في نفس الوقت يعني يتصف بالغلظة لا يفتح باب الحوار مع الناس لا يقترب منهم؟ يريد منكم نصيحة على كل حال لما ينبغي أن يتحلى به القائم بمثل هذه الأعمال الطيبة.
الإجابة
ما ينبغي أن يتحلى به القائم بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى والطالب لعلوم الشريعة دلّنا عليه كتاب ربنا جل وعلا حينما قال سبحانه وتعالى واصفاً خير خلقه على الإطلاق نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ذا الخلق العظيم، قال: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»، «ما» هنا في غير لغة القرآن كان يمكن أن تكون الجملة صحيحة «فبرحمة من الله لنت لهم»، لكن «ما» هنا «ما» المصدرية للدلالة على أن الأصل في عموم أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو اللين والرفق. وهذا الخطاب جاء إثر هزيمة أحد، بعدما خالف بعض الرماة أمر قائدهم صلى الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم قبل نهاية المعركة، ومع ذلك يأتي «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ» أي هؤلاء الذين يفدونك بأرواحهم والذين وقفوا معك مجاهدين مقاتلين أعداء الدين الذين كانوا على أتم الاستعداد للتضحية بأنفسهم نصرة لدين الله تبارك وتعالى ونصرة لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»، وهؤلاء الذين خالفوا أمره عليه الصلاة والسلام «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ». هذا هو الأصل في عموم أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك نجد «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»، ولما عرّفنا ربنا سبحانه وتعالى بشمائله وبما جاء به قال: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ»، فهو يعزّ عليه يشقّ عليه ما فيه عنتكم ما فيه مشقتكم وضيق حالكم وعسر أمركم، «عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم»، حريص على ما فيه الخير والصلاح والرشد لكم، «بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ». هكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه، وهكذا كان أصل طبعه، نعم أرشده القرآن الكريم في مواضع أخرى إلى الإغلاظ على فئات من الناس، وإنما هؤلاء كانوا لما أظهروه وجاهروا به من عظيم العداوة والكيد به عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال، وما ما جاءت استقلالاً، قال: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»، «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» أي ما فيه معروف ما تتقبله النفوس وتألفه، «وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»، قال عن المنافقين: «وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ»، هؤلاء المنافقون أظهروا عداوة جاهروا بها وكادوا بنبينا صلى الله عليه وسلم وبالدين كله، ولذلك جاء هذا الاستثناء، وإلا فإن الأصل «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ». في قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، هذا العبد الصالح الذي أمر الله تبارك وتعالى نبيه موسى عليه السلام أن يتعلم منه وأن يصحبه، قال أول ما قال حينما عرّفنا به قال: «آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا»، في دلالة على أن هذا العلم الرباني يورث المرء رحمة غامرة شاملة، وفي سياق التعليم نجد أن الله تبارك وتعالى، وهنا ينبغي للدعاة والمتعلمين أن يقفوا مع هذه الآية الكريمة حينما أخبرنا ربنا جل وعلا عن نفسه أنه يعلمنا القرآن ابتدأ أول ما ابتدأ بوصف نفسه بالاسم اللائق بما يريد أن يخبرنا به من صفاته العلى جل وعلا فقال: «الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)». من أجل ذلك كله، ونجد أيضاً قول الله تبارك وتعالى: «وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ»، ما أحرى الدعاة والوعاظ والخطباء أن يقفوا عند هذا الوصف القرآني، فمن كان منهم يريد أن يكون ربانياً، ومعنى أن يكون ربانياً أي أن يتحلى بصفات الكمال وصفات الحسن مع سائر الناس، ولذلك فإنه استأهل هذه المنزلة «بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ»، قدّم تعليم الكتاب على دراسته، فما استحقوا هذا الوصف إلا لتأهلهم بهذه الشروط التي امتازوا بها «بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ». ورسولنا صلى الله عليه وسلم حينما أتاه بعض الناس يشكون أئمتهم الذين يطيلون في الصلاة قال: «إن منكم منفرين»، أغلظ عليهم صلى الله عليه وسلم واشتد غضبه وأنكر عليهم قال: «إن فيكم منفرين، فيسّروا ولا تنفّروا، فيسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا، إن هذا الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه»، قال: «إن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»، لأنه يغالي في هذا الدين، فغلوّه يدفعه إلى أن ينقطع أو ينقطع الناس عنه، إلى أن ينبتّ فينقطع عن التأثير وعن الانتفاع والاستفادة، ولذلك فإن الواجب على الدعاة والمشتغلين بالعلوم الشرعية أن يدرسوا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يتعلموا أخلاق القرآن الكريم، أن يعاملوا الناس بما أمرهم الله تبارك وتعالى به في كتابه حينما قال: «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، قال في سياق حديثه عن قوم موسى ممن استجاب له: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»، وقال لهذه الأمة: «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ»، فما أجمل أن يتحلى أهل عموم المسلمين وخصوصاً الدعاة إلى الله تبارك وتعالى وحملة الشريعة والذين يعظون الناس وينصحونهم ويفقهونهم بهذه الشمائل القرآنية والسجايا النبوية وأن يتعرفوا عليها وأن يعرّفوا بها وأن يعرّفوا الناس بها، نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا وإياهم سبل السلام.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- أهمية اقتران العلم والإيمان بمكارم الأخلاق سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- تعليم الناس السعة في المسائل الخلافية سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- أسس تحبيب الناس في الإسلام لمن يدرس في الخارج سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- العلم المشترط في الداعية إلى الله سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- استدعاء هم النبي للدعوة وإصلاح العباد سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي