في ظل ما يقف عليه المسلم من حاجة ماسة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجد البعض دافعاً يدفعه إلى الدعوة إلى الله تعالى مع علمه بقلة زاده من العلم الشرعي محتجاً بالأثر المروي بلغوا عني ولو آية، ومعللاً نفسه بأن تعليم الناس هو لأهل العلم ويكفي هو أن يدفع الناس إلى المسجد، فيظل على هذا النهج ربما لسنوات مع حرصه على السلامة في دينه، فنرجو من فضيلة الشيخ أن يرشد المشتغل بالدعوة إلى ما يجب عليه في تعليم نفسه وغيره ومتى يكون الداعية سالماً في هذا الجانب
الإجابة
لا شك أن العلم شرط في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، لكن العلم المقصود وسنأتي إلى أدلته إنما هو بحسب موضوع الدعوة نفسها، فالله تبارك وتعالى يقول: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، ويقول: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، ويبين ربنا جل وعلا سنته في بعث الأنبياء والمرسلين فيقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}، فهذا شرط لا بد منه، إذ إن الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وهداية الناس إلى الصراط المستقيم لا يمكن أن تكون عن جهل، بل أساسها العلم. بقي أن هذا العلم يكون بحسب موضوع الدعوة نفسها، فإن من هموم الناس وقضاياهم وما يواجهونه ما لا يحتاج إلى علم غزير، ما تكون الأحكام الشرعية فيه واضحة بينة سهلة المأخذ يعرفها عموم طلبة العلم، فلا يسوغ للإنسان أن يدعي أنه ليس عنده علم غزير ومن أجل ذلك فإنه يتهاون ويتراخى عن البيان والبلاغ والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذلك الأمر الذي كان حكمه واضحاً جلياً بيناً، إذ المطلوب منه في هذه الحالة أن يكون عنده من العلم ما يكفي لموضوع الدعوة. وهذا أيضاً يقودنا إلى أنه ينبغي للمسلم عموماً وللداعية إلى الله تبارك وتعالى على نحو أخص أن يزداد علماً، أن يطلب العلم النافع، وأن يهتدي بما أرشد ربنا جل وعلا إليه نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم حينما قال: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، ومن صميم دعوته: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، فينبغي له أن يتزود من العلم النافع بمجالسة أهل العلم، بالقراءة والاطلاع، بالرجوع إلى أهل الاختصاص، وألا يضيع أوقاته في ما لا فائدة منه. وهنا ينبغي أيضاً أو مما ينبغي أن ننبه هؤلاء الذين انتدبوا أنفسهم لفعل الخير ونصح الناس أن يتثبتوا فيما يدعون الناس إليه وفيما يبلغونهم إياه من شرع الله تبارك وتعالى؛ لأن بعض المسائل فيها سعة ويحتملها الفقه الإسلامي فإذا ببعض الدعاة يضيقون، والعكس أيضاً أحياناً بعض المسائل لا تحتمل السعة وتحتاج إلى بيان أحكام شرعية لأنها تصادم نصوصاً شرعية أو لأنها تصادم أحكاماً شرعية ثابتة في كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا بهم يتساهلون فيها، فمن أجل ذلك لا بد أيضاً من التفقه وطلب العلم وأن تكون على بينة وعلى دراية وحكمة وبصيرة.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.