نسبة الإباضية إلى الخوارج

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-04

السؤال

لماذا تُنسب الإباضية إلى الخوارج؟ وما علاقتهم؟

الإجابة

هذا سؤال كما يقال طُبخ وشُوي حتى احترق، يعني تعبنا من ذكر لصق الإباضية بالخوارج، والحقيقة للأسف الشديد هناك بعض الناس ربما يسعى إلى تجديد هذا الأمر لغاية في نفسه، يحاول استجرار الماضي واستدعاء التاريخ لأجل إثارة الفتنة أو لأجل الحسد أو ربما يكون ذا صلة بأعداء الإسلام فهو ينفذ مخططاتهم بوجه من الوجوه، أو لغرض سياسي فيريد إبعاد الناس عن الفكر الذي يحمله الإباضية لأنهم أصحاب عدالة يسعون لإقامة العدل في الأرض ولا يرضون بالظلم والفساد.

وإنما يقولون بأن الخلافة الشرعية أو الحكم يجب أن تكون شورى، ولا يعترفون في الحاكم إماماً للمسلمين إلا إذا كان منتخباً من قبل أهل الحل والعقد، ثم إن الحاكم عندهم ليس معصوماً بل إنه يُحاسب على ما يقوم به أيام حكمه، فإن ارتكب كبيرة أو خان الأمانة بوجه من الوجوه فإنه يُستتاب، فإن لم يتب فإنه يُعزل، ولا يُطاع في معصية الله إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فبعض الناس لا يرضون بهذا المبدأ ويخشون أن يتأثر العامة بأفكار الإباضية الذين يحملون هذا المبدأ، فلذلك كان في الماضي يصف الإباضية بأنهم من الخوارج لأن هذا المصطلح ينفر الناس من فكرهم ومن التأثر بسلوكهم حتى لا ينضموا إلى صفوف المعارضة، كما يحصل الآن من وصف من يعارض في بعض الأحيان بأنه إرهابي وبأنه أصولي وبأنه متخلف إلى غير ذلك.

فعلى كل حال أيضاً هناك من الناس للأسف الشديد من يقدس أقوال الرجال، فربما يجد في بعض كتب التاريخ والفرق أن بعض من كتب في هذا المجال يصف الإباضية بالخوارج، فهو يقلد هؤلاء، وهذا تقليد أعمى لأن هؤلاء رجال يصيبون ويخطئون، فليس قولهم حجة حتى لا يُخالف، بل هم مخطئون في هذا، والله حسيب كل واحد منهم تكلم بعمد في حق هذه الفئة من المسلمين ظالماً لهم، أما إن كان قد أخطأ في ذلك ولم يتعمد فله عذره بسبب جهله مع صدق نيته، ولكن لا يعني ذلك أن يوافق على خطئه، فمن علم خطأ هذه المقولة وجب عليه ردها وليس له اتباعها.

ونحن نقول إن كان المراد بالخروج هو الخروج في سبيل الله جهاداً فنعم الوصف، بناء على قول الله تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، وكما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}. وإن كان المراد بوصف الخروج هو الخروج عن الإسلام، فهذا لا نرتضيه أبداً، ولا يحلّ لمسلمٍ أن يتّهم الإباضيّة به؛ لأنّ هذا مدلولٌ دينيّ ورد ذكره في حديث النبيّ ﷺ المشهور الذي رواه الربيع ورواه غيره من أئمّة الحديث، حيث قال عليه الصلاة والسلام: "يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة"، فقال: "يخرج فيكم"، هؤلاء هم الخوارج، وذكر أنّهم مع تظاهرهم بالعبادة إلّا أنّهم من حيث حقيقة الدين ليسوا كذلك؛ لأنّهم منافقون في الحقيقة، أو جهلة وسفهاء، وهذا لا ينطبق أبداً على وصف الإباضيّة.

فالإباضيّة فيما نرى امتدادٌ لذلك الإسلام الصافي النزيه الذي أنزل الله تعالى.. أنزله الله تعالى على عبده ورسوله محمّد ﷺ، وربّى عليه صحابته رضوان الله عليهم، وكان عليه الخلفاء الراشدون، واستمرّ على ذلك التابعون لهم بإحسان. هكذا نقول ولا نزكّي أنفسنا، وإنّما نسأل الله العفو والعافية، وإنّما التزكية هنا للمبدأ باعتبار الدليل الذي يدلّ عليه.

فإنّا نطالب هذا الذي يزعم بأنّ الإباضيّة خوارج بالسبب الذي جعله يحكم عليهم بهذا، فهل هناك عقيدة لهم خالفت الكتاب والسنّة؟ أو هناك فعلٌ لهم وقعوا فيه في مخالفة الكتاب والسنّة حتّى يحكم عليهم بهذا الحكم؟ وما أظنّه يجد إلى ذلك سبيلاً.

أمّا ما يذكره بعضهم بأنّهم خرجوا على الإمام عليّ، فعُرفوا بسبب ذلك أنّهم خوارج، فهذا كلامٌ غير دقيق، فلو كان كلّ من خرج على الإمام عليّ خارجيّاً يوصف بهذا، فأولى بذلك عائشة بنت أبي بكر أمّ المؤمنين وطلحة والزبير ومن كان معهم من الصحابة، فإنّهم خرجوا على الإمام العادل عليّ بن أبي طالب في يوم الجمل. وقد حكى غير واحدٍ من أهل العلم الإجماع على صحّة إمامة الإمام عليّ، فكلّ من خرج عليه فهو باغٍ، ولا يحلّ له ذلك للآيات القرآنيّة والأحاديث الثابتة عن النبيّ ﷺ التي تمنع الخروج على الإمام العادل.

فلمَ لا يُحكم على هؤلاء بأنّهم خوارج؟ ولمَ لا يُحكم على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومن معهم من أهل الشام الذين خرجوا على الإمام عليّ في وقعة صفّين بل قاتلوه وقتلوا طائفةً من الصحابة ومنهم عمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنه؟ فلمَ لم يوصف هؤلاء بالخوارج مع أنّه ينطبق عليهم وصف الخروج؟ وقد قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح بل المتواتر كما نصّ على ذلك طائفةٌ من أهل العلم منهم ابن عبد البرّ وغيره بأنّه عليه الصلاة والسلام قال: "يقتل عمّاراً الفئة الباغية"، فإذاً هؤلاء بغاةٌ بنصّ الخبر، بل جاء في رواية الإمام البخاري في صحيحه زيادة: "يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار"، وفي ذلك دلالة على أنّ هذه مسألةٌ قطعيّة وليست اجتهاديّة يُعذر فيها المخطئ على تقدير خطئه كما زعم بعضٌ ليعتذر لجيش معاوية ومن معه أو لأهل الشام.

فـ.. إنّ عمّاراً رضي الله تعالى عنه كان على الحقّ، ومن قتله فهو على الباطل، فلمَ لا يوصف من قتله بأنّه من الخوارج؟ على أنّ هؤلاء خرجوا على الإمام عليّ، بينما أهل النهروان لم يخرجوا عليه وإنّما اعتزلوه فقط بعد أن رضي التحكيم وبعد تحكيم الحكَمين، فـ.. فرقٌ بين قولهم "خرج عنه" أو "خرج عليه"، وهم لم يقاتلوا إلّا بعد أن ابتُدئوا بالقتال فدافعوا عن أنفسهم رضي الله تعالى عنهم.

فعلى هذا لا ينطبق وصف الخوارج على سلف الإباضيّة الذين كانوا في النهروان. فإن قيل بأنّ بعض أهل النهروان الذين نجوا منهم طائفةٌ تطرّفوا فحملوا أفكاراً تدعو إلى تكفير أهل القبلة من العصاة، أي تشريك أهل القبلة، للحكم عليهم بالشرك وما يترتّب عليه هذا الحكم من سفك دمائهم واستحلال أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فضلّوا بسبب ذلك، وهذا حكمٌ صحيح، أي أنّ طائفةً وقعت في ذلك فيما يُعرف بحادثة الافتراق بعد سنة أربعٍ وستين للهجرة، وقع ذلك من نافع بن الأزرق ووافقه عليه نجدة بن عامر الحنفي وعبد الله بن الصفّار أو ابن الأصفر، فهؤلاء عُرفوا بالخوارج، ولكنّ هذه الفكرة لم يوافق عليها الإباضيّة، بل خالفوها وعارضوها، وقد اشتهر عن عبد الله بن إباض هذا الموقف، وقد ذكر ذلك في رسالته لعبد الملك بن مروان، وتضافرت الأدلّة من مواقف علماء الإباضيّة العمليّة فضلاً عن المكتوبة بهذا منذ القرن الأوّل الهجري إلى يومنا هذا.

فكيف يوصف الإباضيّة بأنّهم خوارج وهم لم يستعرضوا الناس بالسيف ولم يشرّكوا أهل القبلة قطّ، بل كانوا من الرادّين عليهم علميّاً كما كان يصنع الإمام جابر بن زيد حين يناظر الخوارج، وكما صنع غيره من المؤلّفين من علماء الإباضيّة كـ.. سالم بن ذكوان في سيرته في نهاية القرن الأوّل الهجري وغيرهم، وكما فعلوا عمليّاً بمحاربتهم كما صنعوا في جيش المهلّب بن أبي صفرة وغيره ممّا أتى بعد.

بل إنّ الإباضيّة في تعاملهم مع أهل القبلة ومع مخالفيهم هم أكثر الناس أو المذاهب تسامحاً باعتراف الآخرين، فهم لم يشرّكوا مخالفيهم ولم يمنعوهم من ممارسة عباداتهم حتّى في مساجدهم، أي مساجد الإباضيّة، وحين حكم الإباضيّة فإنّهم أشاعوا العدل والإنصاف والتسامح مع الجميع من المذاهب المختلفة. وقد اعترف ابن الصغير المالكي في تاريخه بما شاهده في تيهرت عاصمة الدولة الرستميّة ممّا كان عليه التسامح حيث يصلّي في المسجد الواحد الإباضي والصُفري أو المعتزلي والمالكي وغير هؤلاء بل ويتناظرون ولا يكون هناك أي شيءٍ في النفوس. وهذا واضحٌ إلى يومنا هذا في كلّ بلاد الإباضيّة من غرب أفريقيا إلى شرقها إلى شرق البلاد العربيّة إلى عُمان، كلّهم إلى يومنا هذا على هذا النحو والحمد لله.

كما يقول الإمام السالمي رحمه الله تعالى:
ونحن لا نطالب العبادا ... فوق شهادتيهمُ اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا ... إخواننا وبالحقوق قمنا
والمراد بالجملتين أي شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله ﷺ، فمن أتى بالجملتين قلنا إخواننا وبالحقوق قمنا.
فما رأيته من التحرير ... في كتب التحرير والتقرير
حلّ مسائلٍ وردّ شبهِ ... جاء بها من ضلّ للمنتبهِ
قمنا نردّها ونبدي الحقّا ... بجهدنا كي ما يضلّ الخلقا
لو سكتوا عنّا سكتنا عنهمُ ... ونكتفي منهم بأن يسلّموا
وقال في جوهر النظام أيضاً:
ومال أهل البغي لا يحلّ ... وإن يكن قومٌ له استحلّوا
خوارجٌ ضلّت فصارت مارقة ... من دينها صُفريّةٌ أزارقة
فحكموا بحكم المشركينا ... جهلاً على بغاة المسلمينا
فلذلك قال:
وفيهم المروق يعرفنّا ... ومنهمو لا شكّ نبرأنّا
فكيف يقال مع ذلك بأنّ الإباضيّة متّصفون بالخروج أو بأنّهم خوارج لمجرّد أنّ سلف بعض الخوارج وسلف الإباضيّة كانوا من أهل النهروان أو كانوا من المحكّمة في صفّين؟ فهذا لا يلزم منه، وإلّا لقلنا بأنّ بعض من ارتدّ عن الإسلام اليوم أو من بعض الزنادقة اليوم هم ينتمون إلى بعض المذاهب الإسلاميّة، فهل يقال بأنّ أصحاب المذهب الفلاني هم جميعاً على هذا الفكر لمجرّد أنّ فلاناً تزندق أو لأنّ فلاناً قد ارتدّ؟ فهب أنّ بعض المحكّمة بعد سنين انحرف عن الصراط المستقيم، فهل يُحمّل من كان في التحكيم وقد مات على الوفاء من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على هذا الحكم الذي أتى بعده بسنين؟ إنّ هذا لا يقوله منصف، والله تعالى المستعان.

المفتي

الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري

الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 

📺 شاهد الفتوى

نسبة الإباضية إلى الخوارج
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي