الردّ على الحملات الإعلامية ضد المذهب الإباضي

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#العقيدة 2026-11-04

السؤال

ما دورنا تجاه الحملة الإعلامية الشرسة التي توجه ضد مذهب الاستقامة؟ وهل لطلبة العلم أن يشتغلوا بالرد على مثل هذه الهجمات؟

الإجابة

على كلٍ أنا واجهت سؤالاً مرتين هنا عن القول أو عن تصور بعض الناس أنه إن عرضنا تاريخ المذهب الإباضي وإن عرضنا أحوال رجاله وسيرهم ومبادئهم العامة فإنهم يمتعضون من مثل هذا الأمر ويتصورون أن مثل هذا الأمر إنما هو دعوة إلى التعصب وإنما هو دعوة إلى التحزب، أنا أعجب من مثل هذا التصور، وأقول إن مثل هذا الأمر قد يعرض بصورة فيها تعصب وإقصاء للآخر، وقد يعرض بصورة نريد منها إيصال الخير للآخر، ما الذي أريده بمثل هذا الأمر؟ نحن إذا جئنا إلى سير علمائنا، إلى تاريخهم منذ القرن الهجري الأول وإلى يوم الناس هذا، إذا جئنا إليه فإننا لن نجده بإذن الله سبحانه وتعالى إلا صفحات مشرقة نرفع رؤوسنا أمام الخلق كلهم بإظهارها للناس، إذ إنهم رحمهم الله تعالى كانوا أكثر الناس حرصاً على التسامح مع أبناء المسلمين، كانت سيرهم كلها منذ القرن الهجري الأول وإلى يوم الناس هذا تدلنا على أنهم رحمهم الله تعالى أنهم كانوا دعاة خير، دعاة سلام، يحبون لإخوانهم المسلمين في بقية المذاهب الأخرى ما يحبونه لأنفسهم، أما غيرهم فلم يعاملهم هذه المعاملة، انظروا إلى حالهم رحمهم الله تعالى في القرون الأولى مثلاً، إلى حال طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي رحمه الله تعالى في اليمن، ماذا فعل بعد أن سيطر على الأموال أو بعد أن قبض الأموال التي جباها الأمويون ظلماً من أهل اليمن؟ وزعها على أهل اليمن، وكما يقول الإمام السالمي رحمه الله تعالى في الجوهر:
وطالب الحق بصنعا حكما ... بجعلها في أهلها واحتشما
لم يأخذن عند مضيق يومه ... شيئاً لنفسه ولا لقومه
تعففاً منهم ومن كمثلهم ... أكرم بهم من عصبة أكرم بهم
كانوا يموتون على ما أبصروا ... من الهدى ما بدلوا وغيروا
هكذا كانت سيرهم، وهكذا الإمام أبو الخطاب في بلاد المغرب حينما مكنه الله تعالى من قبيلة ورفجومة الصفرية، ماذا كان منهم؟ لم يستحلوا أن يأخذوا منهم أي شيء على الإطلاق، لا لسبب إلا لأن هؤلاء أناس موحدون مسلمون، أليس كذلك؟ الإمام ناصر بن مرشد اليعربي رحمه الله تعالى في الدولة اليعربية في عنفوانها في قوتها، وكانت دولة دينية بالمفهوم المعاصر، حينما جاءه وفد من الشيعة الموجودين هنا في عمان في تلك الأيام، جاءوا وسألوه أن يرسل إليهم بعضاً من علماء الإباضية لأجل أن يناظروهم، ماذا كان منه رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه؟ ألم يقل دونكم إياهم وتناظروا؟ لو كان هنالك تعصب نخجل منه لقام رحمه الله تعالى وقطع رقاب هؤلاء، تتجرؤون لمثل هذا؟ ولكنه التسامح مع الآخر، الإمام قيد الأرض سيف بن سلطان حينما مكنه الله سبحانه وتعالى في عمان ومن مناطق الخليج كلها، اشترط على الأوروبيين حتى يتصالح معهم أنه لن ينزل معهم حتى يردوا للشيعة أموالهم في البحرين، وقال لهم إن هذه أموال مسلمين لن نتصالح معكم على الإطلاق إلا إن رددتم للشيعة أموالهم، مع أنه كان في قوة وكان في سيطرة، إلا أنه رحمه الله تعالى كان يعلم أن هؤلاء مسلمون، الإمام عزان بن قيس رحمه الله تعالى ورضي عنه حينما أراد أن يطهر البلاد من بعض الذين عاثوا فيها فساداً، أنتم تعلمون أنه قد ذهب وبقوا تحت نخيل أولئك وتحت أشجار الأمبا، أشجار الأمبا التي كانوا يزرعونها، وسقطت شجرة واحدة، ثمرة واحدة من ثمرة الأمبا في خرج واحد من الغزاة، فعزره رحمه الله تعالى حينما أخذها وأكلها واشتد عليه في النكير وقال له إن هذه أموال مسلمين فلا يجوز لك أن تأخذها ولا تحل لك وإن كنا في حرب معهم نريد صد عدوانهم إلا أن ذلك لا يحل على الإطلاق أموالهم، وهذا الحال موجود الآن ولله الحمد، فعمان بمذاهبها كافة الآن الموجودة، هل هناك تمييز لأحد دون آخر؟ المسألة واضحة في وزرائها وغير ذلك، كله تسامح ولله الحمد، وليس مبنياً ولا مأخوذاً إلا من تعاليم هذا المذهب الذي يعرف لغيره حقهم، فأنا حينما أنشر مثل هذه السير إنما أنشر التسامح، إنما أنشر الألفة بين أفراد المجتمع المسلم، ولكن لننظر إلى الآخرين كيف عاملوا الإباضية، الذين قاموا على أبي حمزة الشاري بعد أن هزموا رحمهم الله تعالى، بعد أن هزموا بعد فتح مكة والمدينة جاءهم الجيش الأموي، أتعلمون أنهم قد صلبوا أبا حمزة الشاري في فم الخيف عند جمرة العقبة؟ صلبوه أياماً هكذا معلقاً، وصلبوا معه أبا الحر علي بن الحصين رحمهما الله تعالى ورضي عنهما، صلبوهم هكذا، أولاً أحرقوا عليه البيت حينما اختبأ به، وحينما أمسكوا به صلبوه أياماً، بالله عليكم أرأيتم مسلماً يعامل أخاه المسلم هكذا؟ هل صلب النبي صلى الله عليه وسلم أحداً من المشركين بمثل هذه المعاملة؟ هكذا بعد ذلك حينما سيطر الدولة الفاطمية على ممتلكات الدولة الرستمية في اليمن، ما الذي كان من الناس حينها؟ قتلوا الرجال حينها، حينما جاء محمد بن بور عامل العباسيين إلى عمان ما الذي فعله؟ ألم يقتل الرجال؟ ألم يغور كثيراً من الأفلاج؟ هذا أمر موجود، حينما جاء شيبان الخارجي محارباً لأهل عمان في عهد الإمام الجلندى بن مسعود رحمه الله تعالى ورضي عنه، الإمام الجلندى بن مسعود جاءهم محارب أياً كان هذا المحارب، ما دام معتدياً على بلدي إذاً من حقي أن أدافع، فحاربوه وهزموه، ثم جاء بعد ذلك خازم بن خزيمة عامل العباسيين جاء وطلب من العمانيين حينها أن يسلموه خاتم شيبان وسيفه، ماذا كان من هؤلاء الأتقياء البررة الذين لم يعرف التاريخ مثلهم ولم ينصفهم؟ ماذا كان منهم؟ تشاوروا فيما بينهم وقالوا إن خازم بن خزيمة ومولاه السفاح ليسا بمؤتمنين على أموال شيبان الخارجي، شيبان جاءهم محارباً وطالباً سفك دمائهم، ومع ذلك حافظوا على أمواله وقالوا إن هذه الأموال يجب أن ترد إلى أقاربه وإلى أوليائه، يجب أن تحفظ، ودخلوا تلك الحرب غير المتكافئة وقتلوا رحمهم الله تعالى لأنهم كانوا يحافظون على أموال شيبان حتى تصل إلى أهلهم، إذاً هذه السير النقية التي كانوا يحافظون عليها تدلنا على أننا بإذن الله تعالى نرفع رؤوسنا شامخة وأننا بمثل هذا النشر إنما ننشر التسامح بين الناس، الذين جاءوا إلى عمان وغزوها في القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر، جاءوا إليها ماذا فعلوا حتى عرفوا بالأزارقة حينها؟ ألم يقتلوا الرجال؟ ألم يحملوا على الناس، ألم يحملوا الناس عنوة على أن يعتنقوا مبادئهم؟ هل كان مثل هذا موجوداً عندنا؟ لم يكن هذا موجوداً في كل المناطق التي احتضنت هذا المذهب، لذلك فمثل هذا النشر في واقع الحال علينا أن لا نتحسس منه لأنه نشر لسير بإذن الله تعالى نرفع رؤوسنا بنشرها لأنها دلالة على التسامح، دلالة على الألفة، ليست إقصائية على الإطلاق، لم نحكم في يوم من الأيام بأن غيرنا هم كلاب أهل النار، لم نحكم في يوم من الأيام بأننا نبطل صلاة غيرنا، واحد من إخواننا ذهب إلى بيت الله الحرام قبل مدة ليست بالبعيدة، تأخر عن صلاة العصر وأخذ يصلي بالناس بعد ذلك، تأخر عن صلاة الجماعة فوجد مجموعة من الناس وصلى خلفهم، إلى أن جاء واحد من هؤلاء الإقصائيين، من هؤلاء الذين لا يرون الإسلام إلا فيما يفكرون وإلا فيما ينظرون بأنفسهم، جاءه وخاطب الناس الذين حوله وقال لهم لا تصلوا خلفه إنه مشرك، فهل يحب الإنسان مثل هذه التصرفات؟ أوجدتم تصرفاً واحداً من قبل هؤلاء يدل على هذا؟ إنها بإذن الله تعالى صفحات مشرقة بإذن الله تعالى في النزاهة وفي العدالة وفي الألف والمحبة بيننا وبين كل المسلمين ولن يجد أحد ذلك إلا في تعاليم هذا المذهب والله تعالى أعلم.

المفتي

جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي

تفريغ جلسات الإفتاء العامّة للشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي من يوتيوب، مدقّقةً ومراجَعة.

📺 شاهد الفتوى

الردّ على الحملات الإعلامية ضد المذهب الإباضي
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي