السؤال
يشنّع بعض الناس على الفقهاء في تجويزهم التعامل مع البنوك الإسلامية، ويتساءل هؤلاء: لمَ جاز التعامل مع هذه المصارف مع أن النتيجة واحدة؟ ويقولون: دعوى أن هذه المصارف تتعامل بما يتواءم مع الشريعة الإسلامية مرفوضة؛ لأن المتعامل معها يدفع في بعض الصور أكثر مما يدفعه لو تعامل مع البنوك الربوية، ومن الشبه أن بعض تعاملات هذه البنوك مبنية على آراء فقهية مرجوحة مهجورة، ما تعليقكم؟
الإجابة
أما فيما يتعلق بالسؤال المطروح هنا، فالظاهر أن السائل بنى سؤاله على ثلاثة أمور: أولها أن هناك تشابهاً في الأثر والنتيجة مما يجعل تشابهاً في الأثر والنتيجة بين البنوك الملتزمة بفقيه المعاملات الإسلامية وبين البنوك التقليدية، وهذا التشابه في الأثر والنتيجة استنبط منه السائل تشابهاً في الحكم بين كلا المؤسستين: المؤسسة المصرفية الملتزمة بفقه المعاملات المالية وبين المؤسسة المصرفية التقليدية.
والأمر الثاني الذي استنبط منه السائل حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية هو أن تكاليفها أكثر من تكاليف البنوك التقليدية، ومعنى ذلك أن البنوك التقليدية قد تكلف الإنسان في حال التمويل لبناء منزل مثلاً قد تكلفه مئة ألف، إلا أنه يجدها في البنوك الإسلامية تزيد على ذلك ولنقل إنها مئة وخمسة آلاف مثلاً، فاستنبط من هذا الاختلاف في الكلفة أن البنوك الإسلامية محرمة لأنها تتشابه مع تلك بل إنها تزيد في كلفتها على البنوك التقليدية.
والأمر الثالث الذي قال به السائل والذي استنبط منه فيما يظهر من سؤاله هذا حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية أنها مبنية على أقوال مرجوحة في الفقه الإسلامي، لذلك تكون محرمة على هذا الاستنباط الذي رآه السائل.
والواقع أن هذا الاستدلال الذي سلكه السائل لم يوفق فيه إلى الصواب فيما يظهر، بل إنه أبعد النجعة في بعض استدلالاته، وذلك أن النقطة الأولى التي بناها على التشابه في الأثر والنتيجة بين البنوك الإسلامية وغيرها، هذه النقطة غير ملتفت إليها في الشريعة كليها فضلاً عن فقه المعاملات المالية.
وذلك أن البنوك التقليدية كما تعلمون هي قائمة على عقد واحد، لا تمارس في التمويل إلا عقداً واحداً وهو عقد الإقراض، وهذا الأمر قد نص عليه المصرفيون أنفسهم كما نص عليه أئمة القانون الذين يشرعون لهذه البنوك، فقد قال الدكتور عبد الجبار.. فقد قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري في الوسيط الذي هو قرآن أهل القانون في شرح القانون المدني، نص على أن البنوك يتلخص عملها في الاقتراض والإقراض، وفائدتها إنما هي من هذا العقد فقط، وارجعوا إلى الكتاب المذكور وستجدون ذلك وفي غيره من كتب المصرفية التقليدية.
إلا أننا حينما نأتي إلى البنوك الإسلامية فإننا نجد الحال مختلفة لأنها لا يمكن أن تقوم على عقد الإقراض، ولو قامت البنوك الإسلامية على عقد الإقراض لما جاز لها أن تأخذ مئة بيسة على عقد تقوم به، وذلك يستلزم أن لا تقوم لها قائمة وهو بخلاف الواقع الذي نراه.
أما الاستدلال بأن النتيجة واحدة، فالإنسان قد يتمول بعقد ربوي وتكون نسبة التمويل مثلاً 6% كما هو شائع كثيراً، وقد يتمول لبيت أيضاً من بنك إسلامي بالنسبة نفسها، بنسبة 6% على أصل العقد الذي يقوم مع البنك، النتيجة واحدة، هذا يدفع كذا وهذا يدفع كذا، بل قد يدفع في البنوك الإسلامية أكثر.
هذا التشابه الشكلي في الأثر والنتيجة بين العقدين لا يمكن أن يستنبط منه تشابه في الحكم الشرعي بينهما، وخذوا لذلك مثالين أقتصر عليهما: أولهما عقد الزواج، وثانيهما التذكية الشرعية.
في عقد الزواج، تصوروا أن هناك حالتين: الحالة الأولى منهما بين رجل وامرأة قامت علاقة معينة وفق شروط شرعية معينة، فالولي حاضر وهو قد أذن بالزواج، والرضا متحقق، والمهر معلوم، إذن هذه علاقة بين ذكر وأنثى بوساطة شرعية وبأسلوب شرعي استنبطنا منها أن الأ.. أن الأولاد الذين ينتجون من هذه العلاقة إنما هم أولاد شرعيون يترتب لهم كل ما يترتب على العقد على عقد الزواج الشرعي من نسبة من نسب وميراث وغير ذلك.
وهنالك علاقة أخرى قامت بين رجل وامرأة فاجتمعا وأتيا بأولاد أيضاً، إلا أن هذا الإتيان بالأولاد ما كان نتيجة عقد شرعي نتيجة عقد الزواج، بل تصوروا في هذه الحالة الثانية أن ولي الأمر يعلم أن ابنته تمارس علاقة معينة مع شاب يعيشان معاً وجاء بأولاد، فالمسألة واحدة من حيث التصرف الظاهر بين هذين والنتيجة متماثلة كما ترون، هنا أولاد وهنا أولاد.
إلا أننا في العقد الأول اشترطنا شكلاً معيناً لتمام هذا العقد، وهذا ما يسميه أهل القانون العقود الشكلية التي يشترط لتمامها شكل معين، فالشرع يشترط لتمام عقد الزواج شكلاً معيناً، أن يكون برضا معين بشروط خاصة، وهي شكلية لا تؤثر على ذات عقد الزواج، فهذا الشكل المعين جعلنا نحكم على هؤلاء الأولاد بأنهم أبناء شرعيون، بأنهم يستحقون الميراث، بأنهم ينتسبون إلى أبيهم، بأنهم يكون بقية أفراد الأسرة أقارب منهم إلى آخر الآثار الشرعية.
أما هؤلاء مع كون العقدين متماثلين في الظاهر، هؤلاء هم أبناء زنا، أبوهما وأمهما مستحقان للحد الشرعي إما بالرجم إن كانا محصنين وإما بالجلد إن كانا غير محصنين، ليس لهما ميراث ولا نسبة من الزنا لأن الزنا لا يثبت نسباً شرعياً.
انظروا إلى الفرق بين الأمرين، مع أن كلا المعاملتين متماثلة، هذه تشبه تلك إلا أن الشرع فرق بينهما لشكل في المعاملة الأولى فقط، لذلك قلنا هذا زنا محرم وهذا عقد زواج نسأل الله تعالى أن يوفقهم ويبارك لهم فيه.
الأمر الثاني التذكية أو الذبح، أنت إن أتيت بشاتين مثلاً وطبختهما الطبخ نفسه وأعددت منهما وليمة بالمقادير نفسها، الشاتان متماثلتان والطبخ واحد، وجعلت هذه في وليمة معينة وهذه في وليمة أخرى بالمقادير نفسها وبالأوصاف نفسها، الشرع يقول لك إن كانت إحدى هاتين الشاتين لم يذكر اسم الله تعالى عليها فإنها ميتة وهي نجسة ولا تحل، مع أن ذكر لفظ الجلالة عليها شيء شكلي من حيث الظاهر لم يغير في النتيجة والأثر شيئاً، فكلا الطبخين لهما المواصفات نفسها، إلا أننا نقول إن هذا الطبخ نجس، إن هذا الطبخ محرم وهو ميتة ولا يجوز للناس أن يأكلوه، وهذا الذي يماثله في الشكل ولا يختلف عنه في شيء هو حلال مباح يأكله أصحابه هنيئاً مريئاً لا حرج عليه من الناحية الشرعية، ولا فرق بينهما إلا في شكل واحد هو أن هذا قد ذكر اسم الله تعالى عليه فلذلك هو طيب وهذا لم يذكر اسم الله عليه فهو نجس لأن الله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}.
لذلك فهذا الاستنباط الذي استنبطه السائل لم يوفق فيه لأن الشريعة قد تنظر إلى الأشكال ولا تنظر إلى النتيجة، فقد تتشابه النتيجة إلا أن الشكل مختلف، لذلك فالمعاملة هنا قد تكون محرمة مع أن كلا الأمرين قد يكون قد تكون نتيجتهما واحدة، وهذا الأمر واقع، إذن لا يمكننا أن نحرم البنوك الإسلامية لمجرد أن آثارها واحدة مع البنوك غير الإسلامية لهذين المثالين وبإمكانكم أن تستنبطوا أمثلة كثيرة في الشريعة كلها تقرر هذا الحكم.
أما الأمر الثاني الذي بناه السائل ليدلل على حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية فهو أن تكلفتها أكبر من تكلفة البنوك التقليدية، لذلك استنبط هو هذا التحريم من هذا الاستدلال، ولكن نقول له أيضاً إنك لم توفق تمام التوفيق على ما يظهر في هذا الاستنباط، فإن التكلفة في الشريعة لمن قرأ فقه المعاملات المالية لا يمكن أن تعد سبباً للتحريم.
وذلك أن العقود في الشريعة كما تعلمون إنما هي مبنية على التراضي، فإن تحقق التراضي إن التقت الإرادتان، إرادة الموجب وإرادة القابل، إن التقتا على ثمن معين كان ذلك الأمر جائزاً، والتسعير، التسعير الجبري الذي قد يكون من ولي الأمر هذا لا دخل له، هذا استثنائي، الأصل عدم جوازه والمسألة مبنية في الرضا على تلاقي الإرادتين، وكما يقول أهل الاقتصاد، أهل التحليل الاقتصادي، بأن السعر دائماً يتحدد بتقاطع منحنى الطلب ومنحنى العرض، وهذا التقاطع هو الذي يحدد لي على المحور السيني يحدد لي الكميات المطلوبة كما أنه على المحور الصادي الأفقي يحدد لي السعر الذي يتحدد بتلاقي هاتين الإرادتين.
إذن السعر نفسه ليس سبباً للتحريم وإنما هو كما يقول الفقهاء يتحدد بتلاقي الإرادتين وتتحدد الكميات المشتراة أو المستأجرة إن كانت خدمة من الخدمات.
على أن البنوك الإسلامية من حيث الواقع لمن درسها وعرف مقتضيات عقودها سيعلم جلياً أن غرمها وأن تكاليفها أكثر من البنوك التقليدية، فلذلك من السائغ أن تكون أرباحها أكثر، كيف ذلك؟
البنوك التقليدية كما قلنا قائمة على الإقراض بفائدة، فهي لا تعلم شيئاً عن السلعة ولا تضمنها ولا تحدد مواصفاتها ولا تضمن العيب الذي فيها، كل ما فيها أني أقرضك عشرة آلاف ريال على أن تردها لي خمسة عشر ألفاً، ماذا يحدث للسلعة؟ كيف تخزن السلعة؟ ما العيوب التي تصيبها؟ نحن لا نسأل عن ذلك، هذا هو المنطق الذي تقوم عليه البنوك القائمة على مبدأ الفائدة.
أما البنوك الإسلامية فلا تقوم على هذا المبدأ، وخذوا أمثلة على ذلك: أولها عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، هذا عقد والذي يسمى في عرف القانونيين والمصرفيين الليزينج، هذا عقد يقوم على مبدأ أنني أريد أن أشتري بيتاً إلا أن البنك ماذا يفعل؟ يحتفظ بملكية ذلك البيت له، البنك الإسلامي يحتفظ بملكية ذلك البيت له ويؤجر لي البيت نظير أقساط قد تكون أكثر من الإيجار المعتاد، وبعدها في الأخير بعد أن أدفع كل الأقساط للبنك نأتي بعقد آخر ناقل للملكية لأن عقد الإجارة في الشريعة الإسلامية غير ناقل للملكية وإنما هو ناقل للمنفعة فقط، وأنا أريد في عقد التمول بالإجارة المنتهية بالتمليك أريده عقداً ناقلاً للملكية، لذلك يتفقون على بيع بعد ذلك ينقلون به الملكية من البنك إلى الشخص المتمول الذي يريد شراء هذا البيت.
هذا عقد تمارسه البنوك التقليدية كما أنه تمارسه البنوك الإسلامية، وانظروا إلى الفرق بين العقدين عند كلا المؤسستين: في البنوك التقليدية أولاً تتعامل البنوك التقليدية على أنها تعطي هذا الإنسان مبلغاً من المال وعلى أنه يدفع أجرة، إلا أن هذه الأجرة تخرج عن البنوك التقليدية مسائل عدة: أولها صيانة العين المؤجرة في عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، في البنوك التقليدية لا يلتزمون بصيانة العين، نحن في الفقه وفي القانون أيضاً الصيانة قسمان كما تعلمون للعيان المؤجرة أو المؤجرة: أولهما صيانة استعمالية، والصيانة الاستعمالية تكون للأمور التي تتلف باستعمال المستأجر كالمصابيح ونحوها، فهذه صيانتها على المستأجر ولا إشكال في هذا.
هنالك صيانة أصلية وهي القسم الثاني من الصيانة، وهذه الصيانة الأصلية هي التي تتعلق بعين بالعين المستأجرة نفسها، كأن يسقط جدار فيها، كأن يحدث خلل في سقفها، كأن تصيبها جائحة تذهب بها كلها، هذه الصيانة في الفقه الإسلامي وفي القانون أيضاً هي على المؤجر، على صاحب العين نفسها، لذلك هو الذي يصونها.
إن جئنا إلى عقد الإجارة المنتهية بالتمليك في البنوك التقليدية سنجد أنهم لا يتحملون أي نوع من أنواع الصيانة هذه، في حين أن البنوك الإسلامية يلزمها فقه المعاملات وهو الذي عليه البنوك الإسلامية كلها يلزمها بأن تكون الصيانة عليها، بمعنى لو تلفت العين المستأجرة أصابتها جائحة معينة ألزمت أن يكون هنالك إصلاح أصلي في تلك العين، في هذه الحالة لو كان العقد مع بنك ربوي فإن البنك الربوي لا يسأل عن تلك الصيانة ولا يطالب بها قانوناً.
أما في البنك الإسلامي ففقه المعاملات المالية يحتم عليه أن تكون تلك الصيانة عليه لأنه هو المالك للعين والشخص الآخر المتمول ما هو إلا مستأجر، والمستأجر لا يلتزم بالصيانة الأصلية كما يقرر ذلك فقه المعاملات المالية، إذن هذا فرق، البنوك الإسلامية هنا تتكلف شيئاً لا تتكلفه البنوك التقليدية.
نقطة ثانية في هذا العقد نفسه قبل أن نغادره، البنوك التقليدية في عقد الليزينج هذا تأخذ الأجرة بمجرد التعاقد بينها وبين العميل، في حين أن البنوك الإسلامية لا يصح لها شرعاً وبهذا تفتي كل الهيئات الشرعية التي أعلمها تقول بأنه لا يجوز لهم أن يأخذوا أجرة على الشخص المستأجر في هذا العقد إلا بعد أن يتحقق له انتفاع حقيقي من هذه العين، تصوروا أن العين ما زالت بناء هيكلاً ولم ولا تصح ولا يصح للمستأجر أن ينتفع منها كأن تكون غير مكتملة، في البنك التقليدي يأخذون عليه أجرة، في حين أن البنك الإسلامي لا يجوز لهم أن يأخذوا عليه أجرة وهذا الذي تفتي به الهيئات الشرعية، إذن هنا فرق، مع أن فترة البناء قد تمتد عاماً كاملاً، فالأجرة لعام كامل من يستفيد منها؟ تستفيد منها البنوك التقليدية لأن عقودها قائمة على الإقراض بالربا، أما البنوك الإسلامية فقائمة على الإجارة التمويلية، وهذه الإجارة التمويلية لا يمكنهم أن يأخذوا عليها مئة بيسة إلا إن كانت هنالك منفعة حقيقية ترجع على الشخص المستأجر وبدون ذلك لا يصلح هذا العقد.
عقد آخر وهو المشاركة المنتهية بالتمليك، فالمتمول على حسب تعليمات البنك المركزي معنا هنا في عمان يجب عليه أن يدفع 20% من قيمة العين التي يريد أن يشتريها، والبنك الإسلامي يدفع 80% من قيمة العين، هذا أقل ما يمكن لأن هناك تعليمات غير راجعة إلى البنوك الإسلامية وإنما هي راجعة إلى الجهة المنظمة إلى الجهة التي ترعى القطاع المصرفي كله.
هنا في الإجا.. في المشاركة المنتهية بالتمليك نقول إن البنك يمتلك 80% في أول العقد وإن العميل يمتلك 20% في أول العقد، وهذا أمر واضح، طيب ملكيته لـ 80% تحتم عليه أن تكون غرامته إن كانت هناك غرامة على هذه العين أن تكون غرامته بمقدار 80%، وأما العميل فلا يغرم إلا 20%، لو أن العين تلفت في هذا الحال والعميل يملك 20% والبنك يملك 80%، أصابتها جائحة، الأنواء التي مرت علينا، غيرها، المهم أنها أصابتها جائحة فأتلفها، العميل هنا لا يخسر إلا 20% فقط، في حين أن البنك الإسلامي يخسر 80%، ولو كان هذا العقد نفسه عقد تمويل لبناء بيت في البنوك التقليدية لخسر العميل 100% من قيمة هذه العين، وهذا أمر متقرر وواضح جداً، لذلك فخسارة وغرم البنوك الإسلامية أعظم بكثير من خسارة وغرم البنوك التقليدية، لذلك لم يكن عجباً أن يكون هنالك فرق في الربح من حيث الواقع، فهذا هو التنظير وهذه هي الفتاوى في هذه القضايا.
في التمويل الذي تجريه شركات التمويل التقليدي مثلاً، شركة التمويل التقليدي حينما تأتيها تريد أن تشتري سيارة معينة بأقساط معينة، ماذا تفعل شركة التمويل التقليدي؟ هي تدفع عنك للوكالة مباشرة، ولا تشتري هذه السلعة ولا تدخل في ضمانها، فتدفع عنك هناك 5000 لترد أنت إليها 7000 مقسطة لخمس سنوات أو غير ذلك، في حين أن العقد حينما يكون في شركة تمويل إسلامي أو في بنك إسلامي يختلف بالكلية عن هذا التمويل، وذلك أن شركة التمويل الإسلامي تلتزم بشراء السلعة أولاً، فهي تشتريها وتدخلها في ملكها ثم إنها بعد ذلك تبيعها لك بثمن آخر كما يفعل التجار، فالتاجر يشتري بثمن أقل ليبيع بثمن أعلى فيأخذ الفرق بين الثمنين، وشركات التمويل الإسلامي قائمة على هذا.
والسلعة في شركة التمويل التقليدي هي من ضمانك أنت أيها العميل، لو بعد ما عقدتم مع الوكالة جاءت جائحة وأتلفت هذه السيارة مثلاً، فإن شركة التمويل لا تتحمل 100 بيسة، وإنما أنت العميل هو من يتحمل هذا التلف، وهكذا تأمينها، عقد التأمين إنما تتحمله أنت، أما شركة التمويل الإسلامي أو البنك الإسلامي فيختلف عن ذلك، قبل أن تقبض أنت السلعة وبعد أن يشتريها البنك من الوكالة الأصلية، في هذه الفترة أو في هذه المدة من الزمان السيارة من ضمان شركة التمويل الإسلامية، فلو تلفت أنت لن تخسر 100 بيسة، ومن الذي سيخسر؟ ستخسر شركة التمويل الإسلامي، وهذا فرق كبير جداً، وقد تغرم شركة التمويل الإسلامي ما يزيد على 10000 في حين أن البنك التقليدي لا يمكن أن تتوجه إليه الخسارة بأي حال، وهذا فرق جوهري بين المعاملتين، وما ذلك إلا لأنهم في هذا العقد إنما يتعاملون بقاعدة فقهية مستقرة وهي أن الخراج بالضمان، وهذه القاعدة تتنافى كل المنافاة مع الربا، فبينهما 180 درجة من حيث العقد، فالعقد الربوي يختلف عن عقد قاعدة الخراج بالضمان بالتنافر الكلي بينهما فلا جامع بينهما، وهذا يدلكم على أن هناك فرقاً حقيقياً بين المعاملتين.
على أنك أيضاً إذا جئت إلى خطابات الضمان وإلى الاعتمادات المستندية، أنت أردت سلعة معينة من سوق دولية، ولنفرض أنها سلعة ثمنها باهظ جداً وتأتي من هناك عبر البواخر، لو أن هذه السلعة تلفت في الاعتماد المستندي الذي يكون غير مغطى بالكامل، لأن الاعتماد المستندي ثلاثة أقسام كما تعلمون، لو أنها تلفت في البحر وغرقت الباخرة مثلاً، في هذه الحالة في التعامل مع البنوك الإسلامية غرم تلك السلعة كلها عليها، على البنوك الإسلامية، هي تغرمها لأنك لم تقبضها بعد ولم تنتقل إلى ملكيتك فأنت غير ضامن لها، في حين أن هذا الاعتماد المستندي نفسه لو كان لبنك تقليدي فإن البنك التقليدي لا يضمن شيئاً، لا يضمن شيئاً وإنما الغرامة كلها تكون على من؟ تكون على صاحب السلعة نفسه، وهذا فرق جوهري.
نعم، قد يقول بعضكم إن السلع هنا وهناك تؤمن، وشركة التأمين هي من يتكفل بهذا الأمر، أقول لكم إن البنوك الإسلامية قائمة على التأمين التكافلي وليس على التأمين التجاري، وهذا فرق جوهري خامس أو سادس لا أدري بين المعاملتين، وذلك أن التأمين التعاوني قائم على أنه إن وجدت هنالك مبالغ فسيعطى تعويضاً، وإن لم توجد مبالغ في الصندوق فلن يعطى تعويضاً، إذاً هذا أيضاً فرق بين البنوك الإسلامية وبين غيرها من البنوك يحتم علينا أن نقول بأن التكلفة ليست واحدة في هاتين المؤسستين.
البطاقات الإقراضية الكريدت كارد، بطاقات الائتمان هذه البنوك الإسلامية تمنحها، والبنوك الإسلامية معنا هنا في عمان تمنحها، ولكنها بطاقات قائمة على الإقراض، لذلك فالبنوك الإسلامية لا تستطيع أن تأخذ في مقابلها 100 بيسة، لأنها تعد هذا العقد عقداً تحسن به إلى العميل، وإلا فهي لا تربح منها شيئاً، في حين أن هذه البطاقات الإقراضية في البنوك التقليدية تأخذ عليها مباشرة بمجرد التعاقد 6% على كل سحبة، وهذا غير موجود في البنوك الإسلامية، إذاً البنوك الإسلامية لا تربح مثلما تربح تلك.
فوق هذا كله، المدين في البنوك التقليدية إن تأخر عن الدين فإنه إن تأخر عن الوفاء في وقته فإنه مباشرة يلزم بغرامات تأخيرية، وهي الغرامات الربوية، لأن المدين لا يجوز لمجرد تأخره أن يزاد في دينه، لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة، البنوك الإسلامية لا تفعل هذا الأمر، بل المدينون عندها قسمان، عند البنوك الإسلامية المدينون قسمان، القسم الأول من المدينين هم المدينون المعسرون، هو معسر غير قادر، أصابه ما أصابه فجعله معسراً غير قادر على أن يفي بالمبالغ التي عليه، فهذا عندنا نص شرعي يبين لنا حكمه، لأن الله تعالى قال: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}، فيجب على كل دائن إن كان المدين معسراً أن يمهله، {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}، وهذا الأمر واضح، فلا يجوز لها أن تأخذ أي زيادة عليه إن كان المدين معسراً.
وإن كان المدين غير معسر، بل كان مماطلاً في الأداء، عنده الأموال إلا أنه لا يفي البنك الإسلامي بالدين الذي عليه، وهنا البنوك الإسلامية تدخل في عقد قال به جمع من الفقهاء المتقدمين، بل له نصوص في فقه علمائنا، والنصوص جلية وواضحة بينت بعضها في كتاب الوجيز، هذه النصوص تقول بأن من التزم بشيء فإنه يجبر بأن ينفذ ذلك الالتزام، خاصة إن كان ذلك الالتزام يؤدي إلى وقوع ضرر بالطرف الآخر، البنوك الإسلامية ماذا تفعل لكل عميل يأتيها؟ تقول له في حالة الإعسار أنت معذور وعليك أن تثبت إعسارك، عبء إثبات الإعسار دائماً يقع على المدين، وهذا لا إشكال فيه من الناحية الشرعية، أما إن كنت مماطلاً تجد الأموال ولا تدفعها فإنه يجب عليك أن توقع من أول العقد التزاماً بالتبرع للفقراء مقداره كذا وكذا إن تأخرت في الوفاء وكنت مماطلاً، أي ألتزم، يوقع بأنني ألتزم بأن أدفع مبلغاً مقداره كذا وكذا للفقراء إن تأخرت في الوفاء بما علي من دين للبنك الإسلامي، وهذا يسميه الفقهاء السابقون الالتزام بالتبرع، وقد نصوا على جوازه، فهذا يلزم نفسه شيئاً، وفي القاعدة الفقهية التي قالها الإمام جابر رحمه الله تعالى يقول: "من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه"، فهذا يلتزم في نفسه بأنني إن تأخرت عن الوفاء بديني لك أيها البنك الإسلامي فإنني سأتبرع للفقراء.
وانظروا إلى هذا الفرق بين هذه الغرامة وبين الغرامة التي تفرض في البنوك التقليدية، فالغرامة التي تفرض في البنوك التقليدية هي مباشرة تصب في ميزانية البنك التقليدي، وأرباحهم كلها إنما هي من هذا الجانب، فالسحب على المكشوف وغيره من المعاملات هي كلها تصب في هذا الجانب الذي هو رباً في عرف الشريعة، أما في البنك الإسلامي فيلتزم بالتبرع لمن؟ لجهة خيرية، يكون هنالك صندوق معين يعد للأعمال الخيرية، فيتبرع لأجل إلزامه، وإلا فإن هناك كثيرين من الناس هم سيئو النية لا يريدون الدفع، يقولون إن البنوك الإسلامية لا يجوز لها أن تأخذ الغرامات فنحن نسعى إلى أن نخسرها بهذا الجانب وإلى أن نربح، هي لا تستطيع أن تغرمنا شيئاً، فجاؤوا بهذا الأمر وهو أصل متفق عليه، لا أقول إنه متفق عليه ولكن قال به جمع من الفقهاء المتقدمين الذين لم توجد لديهم مثل هذه المشكلات فكيف بها والمشكلات كثيرة في زماننا، إلا أن البنك الإسلامي لا يستفيد منها 100 بيسة، هذه الغرامات لا يستفيد منها 100 بيسة، بل هي ستذهب للفقراء وللأعمال الخيرية التي لا يستفيد منها البنك شيئاً على الإطلاق، فلذلك هنالك فرق جوهري بين هذه الغرامة في البنوك الإسلامية والغرامة في البنوك التقليدية، لأن الغرامة في البنوك التقليدية إنما هي تصب في ميزانيتها، وأما الغرامة في البنوك الإسلامية فلا تصب في ميزانيتها وإنما هي تصب في مصالح الفقراء، وعندنا هذا التزام لو أن إنساناً أقسم بالله أنه سيعطي الفقراء مبلغاً من المال فإننا نقول إنه يجب عليك شرعاً أن تعطيهم، وإلا كنت آثماً بعدم إعطائهم لأنك التزمت بدفع هذا المبلغ، لذلك انظروا إلى هذا الفرق الجوهري بين العقدين في البنوك الإسلامية وفي غيرها، ومن هنا لا نقول إن التكلفة واحدة بين المعاملتين بل بينهما بون شاسع وجلي واضح يمكن للإنسان أن يصل إليه إن كان متخصصاً في شؤونها، وإن كان الإنسان غير متخصص في شؤونها لم يدرسها من الجانبين المصرفي والشرعي فلا يمكنه أن يصل إلى مثل هذه الدقائق، وهنا يقال تصدق الحكمة: "من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب"، لذلك لا بد من أن ننتبه إلى هذا الأمر.
كون البنوك الإسلامية الآن تفرض أسعاراً عالية كما قلت لكم، هذا أمر التسعير لا يرجع إلى الأفراد، ففي الفقه الإسلامي النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس جاءه الناس في عام سنة، أي في عام شدة وقحط، وقالوا له: يا رسول الله سعر لنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو القابض الباسط الرزاق"، وفي رواية صحيحة "المسعر"، "وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ولكن سلوا الله"، أي سلوا الله رخص الأسعار، الأسعار ارتفعت هنا بسبب طبيعي وهو لقلة المعروضات، دائماً السعر يرتفع إما لقلة المعروض أو لكثرة الطلب، فبينهما علاقة طردية مع الطلب وعلاقة عكسية مع العرض، لذلك كلما زاد العرض قلت الأسعار وكلما زاد الطلب ارتفعت الأسعار، وهذه قوانين اقتصادية كما أنها تتحقق معنا هنا في عمان تتحقق أيضاً في مكة، تتحقق في تل أبيب، تتحقق في روسيا، تتحقق في واشنطن، في كل المذاهب الاقتصادية الرأسمالية وغيرها كلها هذه قوانين اقتصادية لا تختلف، كلما زاد العرض قل السعر وكلما زاد الطلب ارتفع السعر، لذلك صلى الله عليه وسلم قال لهم بأني لا أملك شيئاً، لأنه لو خفض السعر في هذا الجانب لأدى إلى خسارة العارضين ولراعى المشترين وحدهم ولا يجوز، لماذا يخسر هؤلاء في مقابل أن يربح أولئك؟ نعم، إن كان ارتفاع الأسعار مفتعلاً وليس له ما يسوغه اقتصاداً ولا شرعاً ولا اجتماعاً، فهنا نقول إن على الحاكم أن ينظر في هذه القضية وإن على الجهات المسؤولة المخولة من طرف ولي الأمر أن تنظر في القضية وأن تراعي المصلحتين، مصلحة الجباة ومصلحة المستهلكين ومصلحة العارضين أيضاً، لأننا مضطرون إلى العارضين ولا نريدهم أن يخرجوا من سوق التعامل كما أننا نريد أن تكون هنالك مصلحة للمستهلكين، إذاً أمر التسعير هو أمر يرجع في حال الضرورة كما بين ذلك فقهاؤنا ولابن بركة في هذا السياق في أمر التسعير كلام حسن جداً في الجزء الثاني من الجامع لمن شاء أن يراجعه، وبذلك نقول إن أمر التسعير دائماً غير راجع إلى الجهة، أنا التاجر دائماً أريد الربح، والمشتري دائماً يريد أيضاً مصلحته، لذلك هذا الالتقاء هو الذي سيحدد الكميات والأسعار وإن كان هنالك ظرف خارجي فتحدده الجهات المسؤولة رعاية لمصلحة الطرفين والله تعالى أعلم، لذلك لا بد من أن نتبين هذا الأمر.
أما النقطة الثالثة التي ذكرت في السؤال وهي أن كثيراً من معاملات البنوك الإسلامية إنما هي مبنية على آراء مرجوحة في الفقه الإسلامي، أولاً أقول للسائل: هي مرجوحة عند من؟ هي مسألة رأي من حيث الأصل العام، ومسائل الرأي لا يجوز الإنكار فيها، وهذه قاعدة معلومة ومعروفة، هذا أمر، الأمر الثاني قالوا: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، فما قد يكون راجحاً في السابق قد يكون مرجوحاً في زماننا، والظروف الحالية لا تعين عليه ولا يمكن تحقيق مقاصد الشارع مع الأخذ بالقول الراجح في السابق وتركه وأخذ المرجوح في هذا الزمن، هذا أمر مطرد ومعروف وله أمثلة كثيرة تنظر في الكتب التي عالجت هذه القضية وهي لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما تعلمون منع المؤلفة قلوبهم الزكاة، لماذا منعهم؟ قال لأن الإسلام أصبح قوياً، فاسم الإسلام هو تأليف للقلب دون أن يكون هنالك إعطاء للمال، ولكننا في زماننا قد لا يؤخذ بهذا الاجتهاد لأن الزمان قد تغير ورجعنا إلى حالة ضعف نريد أن نتألف كبار الإعلاميين، نريد أن نتألف كبار الصحفيين ونحوهم، فقد يعطى هؤلاء لأجل أن يتألفوا فتكون كتاباتهم في مصلحة الإسلام ويعطون من الزكاة، إذاً هنا تغير في الأحكام لا ينكر مع تغير الأزمان والظروف.
على أنني رأيت، لا أدري عن السؤال وعن حيثياته، لكنني رأيت سؤالاً تداوله الناس ووصل لي، هو مكون من أربع صفحات، سئل فيه سماحة الشيخ عن بعض معاملات البنوك الإسلامية، ولكنني أختلف مع السائل في ذلك العرض الذي عرضه، فما كان منصفاً في عرضه هذا، بل كان متشوفاً للتحريم من أول كلمة كتبها في سؤاله، أين الإنصاف؟ هو قال بأن البنوك الإسلامية تأخذ نظير الأجل زيادة في الثمن، وحكى عن الهادوية، هي من فرق الشيعة، وحكى عن الشوكاني وهو أصله كما تعلمون زيدي، حكى عنهم بأن هذا الأمر غير جائز، من العجب أن يكون الإنسان غير منصف، هذا الأمر أكثر الفقهاء على جوازه، وما خالف فيه إلا الهادوية الذين هم كما قلت من الزيدية وما خالف فيه إلا الشوكاني من المتقدمين، وعلماؤنا ينصون، نصوصهم واضحة أنه قد يكون هنالك حظ للزمن، بمعنى أننا نتفق معك أنك إن كنت ستدفع لي ثمن هذه السيارة الآن فأنا أبيعها لك بـ 5000، أما إن كنت ستقسطها لي على مدار خمس سنوات فأنا أبيعها لك بـ 7000، ونتفق على واحدة من الحالتين، هذا الأمر فقهاؤنا ينصون على جوازه، فقهاء المذاهب الأربعة ينصون على جوازه، المجامع الفقهية الآن والتي تحوي الخبراء وتحوي الفقهاء والمجتهدين هي على جوازه، فلماذا ألجأ إلى قول شاذ وبعد ذلك أحرم على الناس شيئاً؟ فضلاً عن أن المسألة مسألة رأي، الإنسان حينما يعرض سؤالاً على مفتٍ وعلى مسؤول إنما يجيب المسؤول دائماً بقدر السؤال، وفي القاعدة الفقهية عند الأحناف يقولون بأن السؤال متضمن في الجواب، وما ذلك إلا لأن الجواب يفصل على مقدار السؤال، وهذا السائل بنى هذا الأمر على هذه القضية، ثم إنه شدد في العبارة، لا يلزم، لماذا هذا كله؟ لماذا هذه العداوة؟ هي مولود ناشئ، نعم قد تكون غير مكتملة بسبب الظروف وبسبب حداثتها، لكن هل نقضي على كل جديد؟ لماذا لا نكون مسهمين بيد خير لإصلاحها ولنجاحها؟ أونود أن يبقى الربا الخالص؟ إن كنت ترى هذا غير جائز، أونود أن يبقى الربا الخالص المجمع عليه بين الفقهاء كلهم؟ لا يصلح هذا الأمر، علينا أن نكون إيجابيين في تعاملنا مع هذه القضايا، نعم ناقشها ولا حرج، لكن أن تحرم على الناس وأن تشتد في العبارة وأن تنسفها من أصلها أظن أن في هذا شيئاً من التجني وأن في هذا شيئاً من عدم المبالاة بحقوق الآخرين وأن في هذا شيئاً من عدم العدالة في التعامل مع الآخرين، لذلك هذه القضية قضية الآراء المرجوحة والراجحة الأصل فيها كما قلت يتعامل بالقواعد الثلاث التي ذكرتها، ثم إنه لا بد من أن يكون الشخص الذي يتعامل معها متخصصاً في ذلك الشأن، قد يكون هنالك إنسان متخصص في فقه الأسرة مثلاً، ثم إنه بمجرد تخصصه في فقه الأسرة ولم يقرأ شيئاً في فقه المصرفية المعاصرة فهذا من العسير عليه أن يتكلم فيها، فأنت وكما قلت دائماً حينما تريد أن تعالج شيئاً في بطنك، حينما تريد أن تجري عملية معينة فإنك لن تذهب إلى محامٍ لأجل أن يُجري لك تلك العملية، وإنما ستذهب إلى المتخصص، إلى الطبيب العارف، ولن تذهب إلى طبيب الأذن ليعالج بطنك، بل ستذهب إلى طبيبٍ متخصصٍ في الأمراض الباطنية، وهكذا حينما تريد أن تعمّر داراً، تريد أن تبني بيتاً، فإنك لن تذهب إلى طبيبٍ لأجل أن يهندس لك البيت، لا بد من أن تذهب إلى متخصصٍ في ذلك الجانب حتى يبني لك بيتاً، وعلينا أن نتعامل مع القضايا العلمية المصرفية وغيرها أن نتعامل بهذا التعامل حتى نكون منصفين للآخر، لا أن نهدمها من أساسها لمجرد أنه ظهرت لنا أن نتيجة هذه كنتيجة تلك، فعلينا أن نكون منصفين في أنفسنا بأن ندرسها دراسةً حقّة، بأن ندرسها بمصطلحاتها، بآراء الفقهاء فيها، بأقوال المصرفيين أنفسهم من غير الشرعيين، وبعد ذلك ننطلق لبيان الحكم الشرعي، ومن درسها حق الدراسة وعرف ظروف زمانه فلا شك بأنه سيذهب إلى جوازها، وحسبنا أن جوازها هو المتقرر عند فقهائنا كلهم، وهكذا عند المجامع الفقهية التي تحوي الذين يعكفون ليلاً نهاراً على إصلاحها وعلى تخليصها من كل الشوائب، قد تكون هنالك شوائب لا أنكر ذلك، قد يكون هنالك مخالفات لبعض الموظفين، موظف لا يدرك أبعاد المعاملة الإسلامية فيتعاقد عقداً لا يدل على أن النظام المصرفي الإسلامي كله يقره، ولكنه بسبب خطأٍ فردي لا يمكنني أن ألغي النظام كله، أنت إن وجدت الآن شخصاً يتعامل مع الآخرين معاملةً سيئة، هذا الخطأ الفردي منه هل يحملك على أن تقول إن الإسلام كله سيء لمجرد أن هذا معاملته سيئة؟ لا، ذلك ليس من العدل في شيء، بل هو الظلم نفسه، وهكذا في المصرفية الإسلامية إن تعامل موظفٌ واحد أو موظفٌ واحد بالخطأ فعليك أن تسعى إلى الهيئة الشرعية، إلى المراقب الشرعي، وسيصلح ذلك الخطأ بإذن الله، وقد تكون أنت غير متصورٍ للصواب فيصلح لك تصورك لهذه القضية، على كلٍ هذا ما يتعلق بأمر البنوك الإسلامية ولا أدري هل أطلت كثيراً أو لا، ولست بذلك على كلٍ لا يُفهم من كلامي هذا أنني أسوّق لها، حاشا لله، وإنما هو انتصارٌ للحق، فلست موظفاً فيها ولا غير ذلك، أنا موظفٌ في جهةٍ محايدة ليست لهذه وليست لتلك، فليست لي مصلحة في أن تزدهر، ولكنني أريد أن تفعّل المعاملات الشرعية، المعاملات الإسلامية، على الأقل إن كنت ترى فيها يعني شبهة هي فيها شبهة ولكنها محتملة للصواب، وهي خيرٌ بألف مرة من شيءٍ مجمعٍ على أنه محرم، والله تعالى أعلم.
والأمر الثاني الذي استنبط منه السائل حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية هو أن تكاليفها أكثر من تكاليف البنوك التقليدية، ومعنى ذلك أن البنوك التقليدية قد تكلف الإنسان في حال التمويل لبناء منزل مثلاً قد تكلفه مئة ألف، إلا أنه يجدها في البنوك الإسلامية تزيد على ذلك ولنقل إنها مئة وخمسة آلاف مثلاً، فاستنبط من هذا الاختلاف في الكلفة أن البنوك الإسلامية محرمة لأنها تتشابه مع تلك بل إنها تزيد في كلفتها على البنوك التقليدية.
والأمر الثالث الذي قال به السائل والذي استنبط منه فيما يظهر من سؤاله هذا حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية أنها مبنية على أقوال مرجوحة في الفقه الإسلامي، لذلك تكون محرمة على هذا الاستنباط الذي رآه السائل.
والواقع أن هذا الاستدلال الذي سلكه السائل لم يوفق فيه إلى الصواب فيما يظهر، بل إنه أبعد النجعة في بعض استدلالاته، وذلك أن النقطة الأولى التي بناها على التشابه في الأثر والنتيجة بين البنوك الإسلامية وغيرها، هذه النقطة غير ملتفت إليها في الشريعة كليها فضلاً عن فقه المعاملات المالية.
وذلك أن البنوك التقليدية كما تعلمون هي قائمة على عقد واحد، لا تمارس في التمويل إلا عقداً واحداً وهو عقد الإقراض، وهذا الأمر قد نص عليه المصرفيون أنفسهم كما نص عليه أئمة القانون الذين يشرعون لهذه البنوك، فقد قال الدكتور عبد الجبار.. فقد قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري في الوسيط الذي هو قرآن أهل القانون في شرح القانون المدني، نص على أن البنوك يتلخص عملها في الاقتراض والإقراض، وفائدتها إنما هي من هذا العقد فقط، وارجعوا إلى الكتاب المذكور وستجدون ذلك وفي غيره من كتب المصرفية التقليدية.
إلا أننا حينما نأتي إلى البنوك الإسلامية فإننا نجد الحال مختلفة لأنها لا يمكن أن تقوم على عقد الإقراض، ولو قامت البنوك الإسلامية على عقد الإقراض لما جاز لها أن تأخذ مئة بيسة على عقد تقوم به، وذلك يستلزم أن لا تقوم لها قائمة وهو بخلاف الواقع الذي نراه.
أما الاستدلال بأن النتيجة واحدة، فالإنسان قد يتمول بعقد ربوي وتكون نسبة التمويل مثلاً 6% كما هو شائع كثيراً، وقد يتمول لبيت أيضاً من بنك إسلامي بالنسبة نفسها، بنسبة 6% على أصل العقد الذي يقوم مع البنك، النتيجة واحدة، هذا يدفع كذا وهذا يدفع كذا، بل قد يدفع في البنوك الإسلامية أكثر.
هذا التشابه الشكلي في الأثر والنتيجة بين العقدين لا يمكن أن يستنبط منه تشابه في الحكم الشرعي بينهما، وخذوا لذلك مثالين أقتصر عليهما: أولهما عقد الزواج، وثانيهما التذكية الشرعية.
في عقد الزواج، تصوروا أن هناك حالتين: الحالة الأولى منهما بين رجل وامرأة قامت علاقة معينة وفق شروط شرعية معينة، فالولي حاضر وهو قد أذن بالزواج، والرضا متحقق، والمهر معلوم، إذن هذه علاقة بين ذكر وأنثى بوساطة شرعية وبأسلوب شرعي استنبطنا منها أن الأ.. أن الأولاد الذين ينتجون من هذه العلاقة إنما هم أولاد شرعيون يترتب لهم كل ما يترتب على العقد على عقد الزواج الشرعي من نسبة من نسب وميراث وغير ذلك.
وهنالك علاقة أخرى قامت بين رجل وامرأة فاجتمعا وأتيا بأولاد أيضاً، إلا أن هذا الإتيان بالأولاد ما كان نتيجة عقد شرعي نتيجة عقد الزواج، بل تصوروا في هذه الحالة الثانية أن ولي الأمر يعلم أن ابنته تمارس علاقة معينة مع شاب يعيشان معاً وجاء بأولاد، فالمسألة واحدة من حيث التصرف الظاهر بين هذين والنتيجة متماثلة كما ترون، هنا أولاد وهنا أولاد.
إلا أننا في العقد الأول اشترطنا شكلاً معيناً لتمام هذا العقد، وهذا ما يسميه أهل القانون العقود الشكلية التي يشترط لتمامها شكل معين، فالشرع يشترط لتمام عقد الزواج شكلاً معيناً، أن يكون برضا معين بشروط خاصة، وهي شكلية لا تؤثر على ذات عقد الزواج، فهذا الشكل المعين جعلنا نحكم على هؤلاء الأولاد بأنهم أبناء شرعيون، بأنهم يستحقون الميراث، بأنهم ينتسبون إلى أبيهم، بأنهم يكون بقية أفراد الأسرة أقارب منهم إلى آخر الآثار الشرعية.
أما هؤلاء مع كون العقدين متماثلين في الظاهر، هؤلاء هم أبناء زنا، أبوهما وأمهما مستحقان للحد الشرعي إما بالرجم إن كانا محصنين وإما بالجلد إن كانا غير محصنين، ليس لهما ميراث ولا نسبة من الزنا لأن الزنا لا يثبت نسباً شرعياً.
انظروا إلى الفرق بين الأمرين، مع أن كلا المعاملتين متماثلة، هذه تشبه تلك إلا أن الشرع فرق بينهما لشكل في المعاملة الأولى فقط، لذلك قلنا هذا زنا محرم وهذا عقد زواج نسأل الله تعالى أن يوفقهم ويبارك لهم فيه.
الأمر الثاني التذكية أو الذبح، أنت إن أتيت بشاتين مثلاً وطبختهما الطبخ نفسه وأعددت منهما وليمة بالمقادير نفسها، الشاتان متماثلتان والطبخ واحد، وجعلت هذه في وليمة معينة وهذه في وليمة أخرى بالمقادير نفسها وبالأوصاف نفسها، الشرع يقول لك إن كانت إحدى هاتين الشاتين لم يذكر اسم الله تعالى عليها فإنها ميتة وهي نجسة ولا تحل، مع أن ذكر لفظ الجلالة عليها شيء شكلي من حيث الظاهر لم يغير في النتيجة والأثر شيئاً، فكلا الطبخين لهما المواصفات نفسها، إلا أننا نقول إن هذا الطبخ نجس، إن هذا الطبخ محرم وهو ميتة ولا يجوز للناس أن يأكلوه، وهذا الذي يماثله في الشكل ولا يختلف عنه في شيء هو حلال مباح يأكله أصحابه هنيئاً مريئاً لا حرج عليه من الناحية الشرعية، ولا فرق بينهما إلا في شكل واحد هو أن هذا قد ذكر اسم الله تعالى عليه فلذلك هو طيب وهذا لم يذكر اسم الله عليه فهو نجس لأن الله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}.
لذلك فهذا الاستنباط الذي استنبطه السائل لم يوفق فيه لأن الشريعة قد تنظر إلى الأشكال ولا تنظر إلى النتيجة، فقد تتشابه النتيجة إلا أن الشكل مختلف، لذلك فالمعاملة هنا قد تكون محرمة مع أن كلا الأمرين قد يكون قد تكون نتيجتهما واحدة، وهذا الأمر واقع، إذن لا يمكننا أن نحرم البنوك الإسلامية لمجرد أن آثارها واحدة مع البنوك غير الإسلامية لهذين المثالين وبإمكانكم أن تستنبطوا أمثلة كثيرة في الشريعة كلها تقرر هذا الحكم.
أما الأمر الثاني الذي بناه السائل ليدلل على حرمة التعامل مع البنوك الإسلامية فهو أن تكلفتها أكبر من تكلفة البنوك التقليدية، لذلك استنبط هو هذا التحريم من هذا الاستدلال، ولكن نقول له أيضاً إنك لم توفق تمام التوفيق على ما يظهر في هذا الاستنباط، فإن التكلفة في الشريعة لمن قرأ فقه المعاملات المالية لا يمكن أن تعد سبباً للتحريم.
وذلك أن العقود في الشريعة كما تعلمون إنما هي مبنية على التراضي، فإن تحقق التراضي إن التقت الإرادتان، إرادة الموجب وإرادة القابل، إن التقتا على ثمن معين كان ذلك الأمر جائزاً، والتسعير، التسعير الجبري الذي قد يكون من ولي الأمر هذا لا دخل له، هذا استثنائي، الأصل عدم جوازه والمسألة مبنية في الرضا على تلاقي الإرادتين، وكما يقول أهل الاقتصاد، أهل التحليل الاقتصادي، بأن السعر دائماً يتحدد بتقاطع منحنى الطلب ومنحنى العرض، وهذا التقاطع هو الذي يحدد لي على المحور السيني يحدد لي الكميات المطلوبة كما أنه على المحور الصادي الأفقي يحدد لي السعر الذي يتحدد بتلاقي هاتين الإرادتين.
إذن السعر نفسه ليس سبباً للتحريم وإنما هو كما يقول الفقهاء يتحدد بتلاقي الإرادتين وتتحدد الكميات المشتراة أو المستأجرة إن كانت خدمة من الخدمات.
على أن البنوك الإسلامية من حيث الواقع لمن درسها وعرف مقتضيات عقودها سيعلم جلياً أن غرمها وأن تكاليفها أكثر من البنوك التقليدية، فلذلك من السائغ أن تكون أرباحها أكثر، كيف ذلك؟
البنوك التقليدية كما قلنا قائمة على الإقراض بفائدة، فهي لا تعلم شيئاً عن السلعة ولا تضمنها ولا تحدد مواصفاتها ولا تضمن العيب الذي فيها، كل ما فيها أني أقرضك عشرة آلاف ريال على أن تردها لي خمسة عشر ألفاً، ماذا يحدث للسلعة؟ كيف تخزن السلعة؟ ما العيوب التي تصيبها؟ نحن لا نسأل عن ذلك، هذا هو المنطق الذي تقوم عليه البنوك القائمة على مبدأ الفائدة.
أما البنوك الإسلامية فلا تقوم على هذا المبدأ، وخذوا أمثلة على ذلك: أولها عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، هذا عقد والذي يسمى في عرف القانونيين والمصرفيين الليزينج، هذا عقد يقوم على مبدأ أنني أريد أن أشتري بيتاً إلا أن البنك ماذا يفعل؟ يحتفظ بملكية ذلك البيت له، البنك الإسلامي يحتفظ بملكية ذلك البيت له ويؤجر لي البيت نظير أقساط قد تكون أكثر من الإيجار المعتاد، وبعدها في الأخير بعد أن أدفع كل الأقساط للبنك نأتي بعقد آخر ناقل للملكية لأن عقد الإجارة في الشريعة الإسلامية غير ناقل للملكية وإنما هو ناقل للمنفعة فقط، وأنا أريد في عقد التمول بالإجارة المنتهية بالتمليك أريده عقداً ناقلاً للملكية، لذلك يتفقون على بيع بعد ذلك ينقلون به الملكية من البنك إلى الشخص المتمول الذي يريد شراء هذا البيت.
هذا عقد تمارسه البنوك التقليدية كما أنه تمارسه البنوك الإسلامية، وانظروا إلى الفرق بين العقدين عند كلا المؤسستين: في البنوك التقليدية أولاً تتعامل البنوك التقليدية على أنها تعطي هذا الإنسان مبلغاً من المال وعلى أنه يدفع أجرة، إلا أن هذه الأجرة تخرج عن البنوك التقليدية مسائل عدة: أولها صيانة العين المؤجرة في عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، في البنوك التقليدية لا يلتزمون بصيانة العين، نحن في الفقه وفي القانون أيضاً الصيانة قسمان كما تعلمون للعيان المؤجرة أو المؤجرة: أولهما صيانة استعمالية، والصيانة الاستعمالية تكون للأمور التي تتلف باستعمال المستأجر كالمصابيح ونحوها، فهذه صيانتها على المستأجر ولا إشكال في هذا.
هنالك صيانة أصلية وهي القسم الثاني من الصيانة، وهذه الصيانة الأصلية هي التي تتعلق بعين بالعين المستأجرة نفسها، كأن يسقط جدار فيها، كأن يحدث خلل في سقفها، كأن تصيبها جائحة تذهب بها كلها، هذه الصيانة في الفقه الإسلامي وفي القانون أيضاً هي على المؤجر، على صاحب العين نفسها، لذلك هو الذي يصونها.
إن جئنا إلى عقد الإجارة المنتهية بالتمليك في البنوك التقليدية سنجد أنهم لا يتحملون أي نوع من أنواع الصيانة هذه، في حين أن البنوك الإسلامية يلزمها فقه المعاملات وهو الذي عليه البنوك الإسلامية كلها يلزمها بأن تكون الصيانة عليها، بمعنى لو تلفت العين المستأجرة أصابتها جائحة معينة ألزمت أن يكون هنالك إصلاح أصلي في تلك العين، في هذه الحالة لو كان العقد مع بنك ربوي فإن البنك الربوي لا يسأل عن تلك الصيانة ولا يطالب بها قانوناً.
أما في البنك الإسلامي ففقه المعاملات المالية يحتم عليه أن تكون تلك الصيانة عليه لأنه هو المالك للعين والشخص الآخر المتمول ما هو إلا مستأجر، والمستأجر لا يلتزم بالصيانة الأصلية كما يقرر ذلك فقه المعاملات المالية، إذن هذا فرق، البنوك الإسلامية هنا تتكلف شيئاً لا تتكلفه البنوك التقليدية.
نقطة ثانية في هذا العقد نفسه قبل أن نغادره، البنوك التقليدية في عقد الليزينج هذا تأخذ الأجرة بمجرد التعاقد بينها وبين العميل، في حين أن البنوك الإسلامية لا يصح لها شرعاً وبهذا تفتي كل الهيئات الشرعية التي أعلمها تقول بأنه لا يجوز لهم أن يأخذوا أجرة على الشخص المستأجر في هذا العقد إلا بعد أن يتحقق له انتفاع حقيقي من هذه العين، تصوروا أن العين ما زالت بناء هيكلاً ولم ولا تصح ولا يصح للمستأجر أن ينتفع منها كأن تكون غير مكتملة، في البنك التقليدي يأخذون عليه أجرة، في حين أن البنك الإسلامي لا يجوز لهم أن يأخذوا عليه أجرة وهذا الذي تفتي به الهيئات الشرعية، إذن هنا فرق، مع أن فترة البناء قد تمتد عاماً كاملاً، فالأجرة لعام كامل من يستفيد منها؟ تستفيد منها البنوك التقليدية لأن عقودها قائمة على الإقراض بالربا، أما البنوك الإسلامية فقائمة على الإجارة التمويلية، وهذه الإجارة التمويلية لا يمكنهم أن يأخذوا عليها مئة بيسة إلا إن كانت هنالك منفعة حقيقية ترجع على الشخص المستأجر وبدون ذلك لا يصلح هذا العقد.
عقد آخر وهو المشاركة المنتهية بالتمليك، فالمتمول على حسب تعليمات البنك المركزي معنا هنا في عمان يجب عليه أن يدفع 20% من قيمة العين التي يريد أن يشتريها، والبنك الإسلامي يدفع 80% من قيمة العين، هذا أقل ما يمكن لأن هناك تعليمات غير راجعة إلى البنوك الإسلامية وإنما هي راجعة إلى الجهة المنظمة إلى الجهة التي ترعى القطاع المصرفي كله.
هنا في الإجا.. في المشاركة المنتهية بالتمليك نقول إن البنك يمتلك 80% في أول العقد وإن العميل يمتلك 20% في أول العقد، وهذا أمر واضح، طيب ملكيته لـ 80% تحتم عليه أن تكون غرامته إن كانت هناك غرامة على هذه العين أن تكون غرامته بمقدار 80%، وأما العميل فلا يغرم إلا 20%، لو أن العين تلفت في هذا الحال والعميل يملك 20% والبنك يملك 80%، أصابتها جائحة، الأنواء التي مرت علينا، غيرها، المهم أنها أصابتها جائحة فأتلفها، العميل هنا لا يخسر إلا 20% فقط، في حين أن البنك الإسلامي يخسر 80%، ولو كان هذا العقد نفسه عقد تمويل لبناء بيت في البنوك التقليدية لخسر العميل 100% من قيمة هذه العين، وهذا أمر متقرر وواضح جداً، لذلك فخسارة وغرم البنوك الإسلامية أعظم بكثير من خسارة وغرم البنوك التقليدية، لذلك لم يكن عجباً أن يكون هنالك فرق في الربح من حيث الواقع، فهذا هو التنظير وهذه هي الفتاوى في هذه القضايا.
في التمويل الذي تجريه شركات التمويل التقليدي مثلاً، شركة التمويل التقليدي حينما تأتيها تريد أن تشتري سيارة معينة بأقساط معينة، ماذا تفعل شركة التمويل التقليدي؟ هي تدفع عنك للوكالة مباشرة، ولا تشتري هذه السلعة ولا تدخل في ضمانها، فتدفع عنك هناك 5000 لترد أنت إليها 7000 مقسطة لخمس سنوات أو غير ذلك، في حين أن العقد حينما يكون في شركة تمويل إسلامي أو في بنك إسلامي يختلف بالكلية عن هذا التمويل، وذلك أن شركة التمويل الإسلامي تلتزم بشراء السلعة أولاً، فهي تشتريها وتدخلها في ملكها ثم إنها بعد ذلك تبيعها لك بثمن آخر كما يفعل التجار، فالتاجر يشتري بثمن أقل ليبيع بثمن أعلى فيأخذ الفرق بين الثمنين، وشركات التمويل الإسلامي قائمة على هذا.
والسلعة في شركة التمويل التقليدي هي من ضمانك أنت أيها العميل، لو بعد ما عقدتم مع الوكالة جاءت جائحة وأتلفت هذه السيارة مثلاً، فإن شركة التمويل لا تتحمل 100 بيسة، وإنما أنت العميل هو من يتحمل هذا التلف، وهكذا تأمينها، عقد التأمين إنما تتحمله أنت، أما شركة التمويل الإسلامي أو البنك الإسلامي فيختلف عن ذلك، قبل أن تقبض أنت السلعة وبعد أن يشتريها البنك من الوكالة الأصلية، في هذه الفترة أو في هذه المدة من الزمان السيارة من ضمان شركة التمويل الإسلامية، فلو تلفت أنت لن تخسر 100 بيسة، ومن الذي سيخسر؟ ستخسر شركة التمويل الإسلامي، وهذا فرق كبير جداً، وقد تغرم شركة التمويل الإسلامي ما يزيد على 10000 في حين أن البنك التقليدي لا يمكن أن تتوجه إليه الخسارة بأي حال، وهذا فرق جوهري بين المعاملتين، وما ذلك إلا لأنهم في هذا العقد إنما يتعاملون بقاعدة فقهية مستقرة وهي أن الخراج بالضمان، وهذه القاعدة تتنافى كل المنافاة مع الربا، فبينهما 180 درجة من حيث العقد، فالعقد الربوي يختلف عن عقد قاعدة الخراج بالضمان بالتنافر الكلي بينهما فلا جامع بينهما، وهذا يدلكم على أن هناك فرقاً حقيقياً بين المعاملتين.
على أنك أيضاً إذا جئت إلى خطابات الضمان وإلى الاعتمادات المستندية، أنت أردت سلعة معينة من سوق دولية، ولنفرض أنها سلعة ثمنها باهظ جداً وتأتي من هناك عبر البواخر، لو أن هذه السلعة تلفت في الاعتماد المستندي الذي يكون غير مغطى بالكامل، لأن الاعتماد المستندي ثلاثة أقسام كما تعلمون، لو أنها تلفت في البحر وغرقت الباخرة مثلاً، في هذه الحالة في التعامل مع البنوك الإسلامية غرم تلك السلعة كلها عليها، على البنوك الإسلامية، هي تغرمها لأنك لم تقبضها بعد ولم تنتقل إلى ملكيتك فأنت غير ضامن لها، في حين أن هذا الاعتماد المستندي نفسه لو كان لبنك تقليدي فإن البنك التقليدي لا يضمن شيئاً، لا يضمن شيئاً وإنما الغرامة كلها تكون على من؟ تكون على صاحب السلعة نفسه، وهذا فرق جوهري.
نعم، قد يقول بعضكم إن السلع هنا وهناك تؤمن، وشركة التأمين هي من يتكفل بهذا الأمر، أقول لكم إن البنوك الإسلامية قائمة على التأمين التكافلي وليس على التأمين التجاري، وهذا فرق جوهري خامس أو سادس لا أدري بين المعاملتين، وذلك أن التأمين التعاوني قائم على أنه إن وجدت هنالك مبالغ فسيعطى تعويضاً، وإن لم توجد مبالغ في الصندوق فلن يعطى تعويضاً، إذاً هذا أيضاً فرق بين البنوك الإسلامية وبين غيرها من البنوك يحتم علينا أن نقول بأن التكلفة ليست واحدة في هاتين المؤسستين.
البطاقات الإقراضية الكريدت كارد، بطاقات الائتمان هذه البنوك الإسلامية تمنحها، والبنوك الإسلامية معنا هنا في عمان تمنحها، ولكنها بطاقات قائمة على الإقراض، لذلك فالبنوك الإسلامية لا تستطيع أن تأخذ في مقابلها 100 بيسة، لأنها تعد هذا العقد عقداً تحسن به إلى العميل، وإلا فهي لا تربح منها شيئاً، في حين أن هذه البطاقات الإقراضية في البنوك التقليدية تأخذ عليها مباشرة بمجرد التعاقد 6% على كل سحبة، وهذا غير موجود في البنوك الإسلامية، إذاً البنوك الإسلامية لا تربح مثلما تربح تلك.
فوق هذا كله، المدين في البنوك التقليدية إن تأخر عن الدين فإنه إن تأخر عن الوفاء في وقته فإنه مباشرة يلزم بغرامات تأخيرية، وهي الغرامات الربوية، لأن المدين لا يجوز لمجرد تأخره أن يزاد في دينه، لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة، البنوك الإسلامية لا تفعل هذا الأمر، بل المدينون عندها قسمان، عند البنوك الإسلامية المدينون قسمان، القسم الأول من المدينين هم المدينون المعسرون، هو معسر غير قادر، أصابه ما أصابه فجعله معسراً غير قادر على أن يفي بالمبالغ التي عليه، فهذا عندنا نص شرعي يبين لنا حكمه، لأن الله تعالى قال: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ}، فيجب على كل دائن إن كان المدين معسراً أن يمهله، {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}، وهذا الأمر واضح، فلا يجوز لها أن تأخذ أي زيادة عليه إن كان المدين معسراً.
وإن كان المدين غير معسر، بل كان مماطلاً في الأداء، عنده الأموال إلا أنه لا يفي البنك الإسلامي بالدين الذي عليه، وهنا البنوك الإسلامية تدخل في عقد قال به جمع من الفقهاء المتقدمين، بل له نصوص في فقه علمائنا، والنصوص جلية وواضحة بينت بعضها في كتاب الوجيز، هذه النصوص تقول بأن من التزم بشيء فإنه يجبر بأن ينفذ ذلك الالتزام، خاصة إن كان ذلك الالتزام يؤدي إلى وقوع ضرر بالطرف الآخر، البنوك الإسلامية ماذا تفعل لكل عميل يأتيها؟ تقول له في حالة الإعسار أنت معذور وعليك أن تثبت إعسارك، عبء إثبات الإعسار دائماً يقع على المدين، وهذا لا إشكال فيه من الناحية الشرعية، أما إن كنت مماطلاً تجد الأموال ولا تدفعها فإنه يجب عليك أن توقع من أول العقد التزاماً بالتبرع للفقراء مقداره كذا وكذا إن تأخرت في الوفاء وكنت مماطلاً، أي ألتزم، يوقع بأنني ألتزم بأن أدفع مبلغاً مقداره كذا وكذا للفقراء إن تأخرت في الوفاء بما علي من دين للبنك الإسلامي، وهذا يسميه الفقهاء السابقون الالتزام بالتبرع، وقد نصوا على جوازه، فهذا يلزم نفسه شيئاً، وفي القاعدة الفقهية التي قالها الإمام جابر رحمه الله تعالى يقول: "من ألزم نفسه شيئاً ألزمناه إياه"، فهذا يلتزم في نفسه بأنني إن تأخرت عن الوفاء بديني لك أيها البنك الإسلامي فإنني سأتبرع للفقراء.
وانظروا إلى هذا الفرق بين هذه الغرامة وبين الغرامة التي تفرض في البنوك التقليدية، فالغرامة التي تفرض في البنوك التقليدية هي مباشرة تصب في ميزانية البنك التقليدي، وأرباحهم كلها إنما هي من هذا الجانب، فالسحب على المكشوف وغيره من المعاملات هي كلها تصب في هذا الجانب الذي هو رباً في عرف الشريعة، أما في البنك الإسلامي فيلتزم بالتبرع لمن؟ لجهة خيرية، يكون هنالك صندوق معين يعد للأعمال الخيرية، فيتبرع لأجل إلزامه، وإلا فإن هناك كثيرين من الناس هم سيئو النية لا يريدون الدفع، يقولون إن البنوك الإسلامية لا يجوز لها أن تأخذ الغرامات فنحن نسعى إلى أن نخسرها بهذا الجانب وإلى أن نربح، هي لا تستطيع أن تغرمنا شيئاً، فجاؤوا بهذا الأمر وهو أصل متفق عليه، لا أقول إنه متفق عليه ولكن قال به جمع من الفقهاء المتقدمين الذين لم توجد لديهم مثل هذه المشكلات فكيف بها والمشكلات كثيرة في زماننا، إلا أن البنك الإسلامي لا يستفيد منها 100 بيسة، هذه الغرامات لا يستفيد منها 100 بيسة، بل هي ستذهب للفقراء وللأعمال الخيرية التي لا يستفيد منها البنك شيئاً على الإطلاق، فلذلك هنالك فرق جوهري بين هذه الغرامة في البنوك الإسلامية والغرامة في البنوك التقليدية، لأن الغرامة في البنوك التقليدية إنما هي تصب في ميزانيتها، وأما الغرامة في البنوك الإسلامية فلا تصب في ميزانيتها وإنما هي تصب في مصالح الفقراء، وعندنا هذا التزام لو أن إنساناً أقسم بالله أنه سيعطي الفقراء مبلغاً من المال فإننا نقول إنه يجب عليك شرعاً أن تعطيهم، وإلا كنت آثماً بعدم إعطائهم لأنك التزمت بدفع هذا المبلغ، لذلك انظروا إلى هذا الفرق الجوهري بين العقدين في البنوك الإسلامية وفي غيرها، ومن هنا لا نقول إن التكلفة واحدة بين المعاملتين بل بينهما بون شاسع وجلي واضح يمكن للإنسان أن يصل إليه إن كان متخصصاً في شؤونها، وإن كان الإنسان غير متخصص في شؤونها لم يدرسها من الجانبين المصرفي والشرعي فلا يمكنه أن يصل إلى مثل هذه الدقائق، وهنا يقال تصدق الحكمة: "من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب"، لذلك لا بد من أن ننتبه إلى هذا الأمر.
كون البنوك الإسلامية الآن تفرض أسعاراً عالية كما قلت لكم، هذا أمر التسعير لا يرجع إلى الأفراد، ففي الفقه الإسلامي النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس جاءه الناس في عام سنة، أي في عام شدة وقحط، وقالوا له: يا رسول الله سعر لنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو القابض الباسط الرزاق"، وفي رواية صحيحة "المسعر"، "وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ولكن سلوا الله"، أي سلوا الله رخص الأسعار، الأسعار ارتفعت هنا بسبب طبيعي وهو لقلة المعروضات، دائماً السعر يرتفع إما لقلة المعروض أو لكثرة الطلب، فبينهما علاقة طردية مع الطلب وعلاقة عكسية مع العرض، لذلك كلما زاد العرض قلت الأسعار وكلما زاد الطلب ارتفعت الأسعار، وهذه قوانين اقتصادية كما أنها تتحقق معنا هنا في عمان تتحقق أيضاً في مكة، تتحقق في تل أبيب، تتحقق في روسيا، تتحقق في واشنطن، في كل المذاهب الاقتصادية الرأسمالية وغيرها كلها هذه قوانين اقتصادية لا تختلف، كلما زاد العرض قل السعر وكلما زاد الطلب ارتفع السعر، لذلك صلى الله عليه وسلم قال لهم بأني لا أملك شيئاً، لأنه لو خفض السعر في هذا الجانب لأدى إلى خسارة العارضين ولراعى المشترين وحدهم ولا يجوز، لماذا يخسر هؤلاء في مقابل أن يربح أولئك؟ نعم، إن كان ارتفاع الأسعار مفتعلاً وليس له ما يسوغه اقتصاداً ولا شرعاً ولا اجتماعاً، فهنا نقول إن على الحاكم أن ينظر في هذه القضية وإن على الجهات المسؤولة المخولة من طرف ولي الأمر أن تنظر في القضية وأن تراعي المصلحتين، مصلحة الجباة ومصلحة المستهلكين ومصلحة العارضين أيضاً، لأننا مضطرون إلى العارضين ولا نريدهم أن يخرجوا من سوق التعامل كما أننا نريد أن تكون هنالك مصلحة للمستهلكين، إذاً أمر التسعير هو أمر يرجع في حال الضرورة كما بين ذلك فقهاؤنا ولابن بركة في هذا السياق في أمر التسعير كلام حسن جداً في الجزء الثاني من الجامع لمن شاء أن يراجعه، وبذلك نقول إن أمر التسعير دائماً غير راجع إلى الجهة، أنا التاجر دائماً أريد الربح، والمشتري دائماً يريد أيضاً مصلحته، لذلك هذا الالتقاء هو الذي سيحدد الكميات والأسعار وإن كان هنالك ظرف خارجي فتحدده الجهات المسؤولة رعاية لمصلحة الطرفين والله تعالى أعلم، لذلك لا بد من أن نتبين هذا الأمر.
أما النقطة الثالثة التي ذكرت في السؤال وهي أن كثيراً من معاملات البنوك الإسلامية إنما هي مبنية على آراء مرجوحة في الفقه الإسلامي، أولاً أقول للسائل: هي مرجوحة عند من؟ هي مسألة رأي من حيث الأصل العام، ومسائل الرأي لا يجوز الإنكار فيها، وهذه قاعدة معلومة ومعروفة، هذا أمر، الأمر الثاني قالوا: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، فما قد يكون راجحاً في السابق قد يكون مرجوحاً في زماننا، والظروف الحالية لا تعين عليه ولا يمكن تحقيق مقاصد الشارع مع الأخذ بالقول الراجح في السابق وتركه وأخذ المرجوح في هذا الزمن، هذا أمر مطرد ومعروف وله أمثلة كثيرة تنظر في الكتب التي عالجت هذه القضية وهي لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما تعلمون منع المؤلفة قلوبهم الزكاة، لماذا منعهم؟ قال لأن الإسلام أصبح قوياً، فاسم الإسلام هو تأليف للقلب دون أن يكون هنالك إعطاء للمال، ولكننا في زماننا قد لا يؤخذ بهذا الاجتهاد لأن الزمان قد تغير ورجعنا إلى حالة ضعف نريد أن نتألف كبار الإعلاميين، نريد أن نتألف كبار الصحفيين ونحوهم، فقد يعطى هؤلاء لأجل أن يتألفوا فتكون كتاباتهم في مصلحة الإسلام ويعطون من الزكاة، إذاً هنا تغير في الأحكام لا ينكر مع تغير الأزمان والظروف.
على أنني رأيت، لا أدري عن السؤال وعن حيثياته، لكنني رأيت سؤالاً تداوله الناس ووصل لي، هو مكون من أربع صفحات، سئل فيه سماحة الشيخ عن بعض معاملات البنوك الإسلامية، ولكنني أختلف مع السائل في ذلك العرض الذي عرضه، فما كان منصفاً في عرضه هذا، بل كان متشوفاً للتحريم من أول كلمة كتبها في سؤاله، أين الإنصاف؟ هو قال بأن البنوك الإسلامية تأخذ نظير الأجل زيادة في الثمن، وحكى عن الهادوية، هي من فرق الشيعة، وحكى عن الشوكاني وهو أصله كما تعلمون زيدي، حكى عنهم بأن هذا الأمر غير جائز، من العجب أن يكون الإنسان غير منصف، هذا الأمر أكثر الفقهاء على جوازه، وما خالف فيه إلا الهادوية الذين هم كما قلت من الزيدية وما خالف فيه إلا الشوكاني من المتقدمين، وعلماؤنا ينصون، نصوصهم واضحة أنه قد يكون هنالك حظ للزمن، بمعنى أننا نتفق معك أنك إن كنت ستدفع لي ثمن هذه السيارة الآن فأنا أبيعها لك بـ 5000، أما إن كنت ستقسطها لي على مدار خمس سنوات فأنا أبيعها لك بـ 7000، ونتفق على واحدة من الحالتين، هذا الأمر فقهاؤنا ينصون على جوازه، فقهاء المذاهب الأربعة ينصون على جوازه، المجامع الفقهية الآن والتي تحوي الخبراء وتحوي الفقهاء والمجتهدين هي على جوازه، فلماذا ألجأ إلى قول شاذ وبعد ذلك أحرم على الناس شيئاً؟ فضلاً عن أن المسألة مسألة رأي، الإنسان حينما يعرض سؤالاً على مفتٍ وعلى مسؤول إنما يجيب المسؤول دائماً بقدر السؤال، وفي القاعدة الفقهية عند الأحناف يقولون بأن السؤال متضمن في الجواب، وما ذلك إلا لأن الجواب يفصل على مقدار السؤال، وهذا السائل بنى هذا الأمر على هذه القضية، ثم إنه شدد في العبارة، لا يلزم، لماذا هذا كله؟ لماذا هذه العداوة؟ هي مولود ناشئ، نعم قد تكون غير مكتملة بسبب الظروف وبسبب حداثتها، لكن هل نقضي على كل جديد؟ لماذا لا نكون مسهمين بيد خير لإصلاحها ولنجاحها؟ أونود أن يبقى الربا الخالص؟ إن كنت ترى هذا غير جائز، أونود أن يبقى الربا الخالص المجمع عليه بين الفقهاء كلهم؟ لا يصلح هذا الأمر، علينا أن نكون إيجابيين في تعاملنا مع هذه القضايا، نعم ناقشها ولا حرج، لكن أن تحرم على الناس وأن تشتد في العبارة وأن تنسفها من أصلها أظن أن في هذا شيئاً من التجني وأن في هذا شيئاً من عدم المبالاة بحقوق الآخرين وأن في هذا شيئاً من عدم العدالة في التعامل مع الآخرين، لذلك هذه القضية قضية الآراء المرجوحة والراجحة الأصل فيها كما قلت يتعامل بالقواعد الثلاث التي ذكرتها، ثم إنه لا بد من أن يكون الشخص الذي يتعامل معها متخصصاً في ذلك الشأن، قد يكون هنالك إنسان متخصص في فقه الأسرة مثلاً، ثم إنه بمجرد تخصصه في فقه الأسرة ولم يقرأ شيئاً في فقه المصرفية المعاصرة فهذا من العسير عليه أن يتكلم فيها، فأنت وكما قلت دائماً حينما تريد أن تعالج شيئاً في بطنك، حينما تريد أن تجري عملية معينة فإنك لن تذهب إلى محامٍ لأجل أن يُجري لك تلك العملية، وإنما ستذهب إلى المتخصص، إلى الطبيب العارف، ولن تذهب إلى طبيب الأذن ليعالج بطنك، بل ستذهب إلى طبيبٍ متخصصٍ في الأمراض الباطنية، وهكذا حينما تريد أن تعمّر داراً، تريد أن تبني بيتاً، فإنك لن تذهب إلى طبيبٍ لأجل أن يهندس لك البيت، لا بد من أن تذهب إلى متخصصٍ في ذلك الجانب حتى يبني لك بيتاً، وعلينا أن نتعامل مع القضايا العلمية المصرفية وغيرها أن نتعامل بهذا التعامل حتى نكون منصفين للآخر، لا أن نهدمها من أساسها لمجرد أنه ظهرت لنا أن نتيجة هذه كنتيجة تلك، فعلينا أن نكون منصفين في أنفسنا بأن ندرسها دراسةً حقّة، بأن ندرسها بمصطلحاتها، بآراء الفقهاء فيها، بأقوال المصرفيين أنفسهم من غير الشرعيين، وبعد ذلك ننطلق لبيان الحكم الشرعي، ومن درسها حق الدراسة وعرف ظروف زمانه فلا شك بأنه سيذهب إلى جوازها، وحسبنا أن جوازها هو المتقرر عند فقهائنا كلهم، وهكذا عند المجامع الفقهية التي تحوي الذين يعكفون ليلاً نهاراً على إصلاحها وعلى تخليصها من كل الشوائب، قد تكون هنالك شوائب لا أنكر ذلك، قد يكون هنالك مخالفات لبعض الموظفين، موظف لا يدرك أبعاد المعاملة الإسلامية فيتعاقد عقداً لا يدل على أن النظام المصرفي الإسلامي كله يقره، ولكنه بسبب خطأٍ فردي لا يمكنني أن ألغي النظام كله، أنت إن وجدت الآن شخصاً يتعامل مع الآخرين معاملةً سيئة، هذا الخطأ الفردي منه هل يحملك على أن تقول إن الإسلام كله سيء لمجرد أن هذا معاملته سيئة؟ لا، ذلك ليس من العدل في شيء، بل هو الظلم نفسه، وهكذا في المصرفية الإسلامية إن تعامل موظفٌ واحد أو موظفٌ واحد بالخطأ فعليك أن تسعى إلى الهيئة الشرعية، إلى المراقب الشرعي، وسيصلح ذلك الخطأ بإذن الله، وقد تكون أنت غير متصورٍ للصواب فيصلح لك تصورك لهذه القضية، على كلٍ هذا ما يتعلق بأمر البنوك الإسلامية ولا أدري هل أطلت كثيراً أو لا، ولست بذلك على كلٍ لا يُفهم من كلامي هذا أنني أسوّق لها، حاشا لله، وإنما هو انتصارٌ للحق، فلست موظفاً فيها ولا غير ذلك، أنا موظفٌ في جهةٍ محايدة ليست لهذه وليست لتلك، فليست لي مصلحة في أن تزدهر، ولكنني أريد أن تفعّل المعاملات الشرعية، المعاملات الإسلامية، على الأقل إن كنت ترى فيها يعني شبهة هي فيها شبهة ولكنها محتملة للصواب، وهي خيرٌ بألف مرة من شيءٍ مجمعٍ على أنه محرم، والله تعالى أعلم.
المفتي
جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
تفريغ جلسات الإفتاء العامّة للشيخ الدكتور ماجد بن محمد الكندي من يوتيوب، مدقّقةً ومراجَعة.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الرد على شبهة تشابه المصارف الإسلامية والربوية مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الفرق بين تمويل المصارف الإسلامية وقروض البنوك التقليدية سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- زيادة المبلغ الإجمالي في تمويل البنوك الإسلامية جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
- حكم الاقتراض من البنوك الإسلامية لشراء البيت فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- سبب ارتفاع أرباح التمويل في البنوك الإسلامية جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي