ما يتم طرحه من حرية الإنسان في أن يكتب ما يشاء إذا كان ذلك نقداً يوجه لشخصية معينة أو لمجتمع معين أو لتركيبة فكرية معينة، فيواجه نوعاً من المحاصرة والمنع، ويرى أن ذلك مصادرة لفكره ولحريته في التعبير، إلى أي مدى في ضوابطنا الدينية يسمح للإنسان أن يأخذ حريته الكاملة في انتقاد الآخر أو في الكتابة عنه أو في قول ما يراه حقاً من خلال ما لديه من فكر ومعرفة؟
الإجابة
الكلمة المكتوبة هي أعظم أمانة من الكلمة الشفوية التي يلقيها دون تقييد بكتابة، مما يعني أن مسؤوليتها حينما تكون مكتوبة أعظم. فعليه أن يتثبت أولاً، فليتبين هذا الكاتب صدق ما يريد أن يكتبه، وليتبين حقيقة الأمر، ثم ليسع لينظر فيما يريد أن يكتب، أهو من النصح والدعوة إلى الخير أم أنه لا ينتسب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فإن كان دعوة إلى الخير أو أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر بما تشتمل عليه هذه الأوصاف أيضاً من معانٍ واسعة دعت إليها شريعتنا الحنيفية السمحاء، فلينظر بعد ذلك إذاً في أن تكون كلمته مبنية على الموعظة الحسنة، أن يقول القول الحسن، فربنا تبارك وتعالى يقول: «وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، ويقول: «وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ»، ويقول: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ»، والمسلم لا يكون فاحش القول بذيء اللسان. فرسولنا صلى الله عليه وسلم بين هذه الأخلاق والتزمها في نفسه وعلمها أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم وأمته من بعدهم. فحينئذ إذا تحققت هذه الشروط لا ينبغي أن تضيق الصدور بقبول الحق ممن جاء به، أو لا ينبغي أن يهمل ما يدعو إليه الناس من أمر خير وصلاح ومكافحة لفساد أو باطل. فكما أن الكلمة المقولة أيضاً تسمع وينظر إليها، فإن الكلمة المكتوبة ينبغي أن تعامل كذلك طالما حققت هذه الشروط والتزمت بهذه الآداب. أما أن يكون القول المكتوب تجريحاً لأناس وتصفية لحسابات ومراعاة للمصالح الشخصية أو بعثاً لفتن في المجتمع أو نشراً لعصبيات مقيتة جاهلية، أو أن يكون القول بعيداً عن الصواب وعن التثبت والصدق، أو أنه لا يصلح لأن يكون مما يطلع عليه عموم الناس وينبغي أن يكون في دوائر مخصوصة ضيقة لما يتعلق به من آثار مجتمعية أو أمنية أو يتعلق بسيادة وطنية، فإن هذه الاعتبارات مرعية شرعاً. فربنا تبارك وتعالى يقول: «وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ»، فهذه هي الضوابط والحدود العامة التي إن التزمنا بها فإن الكلمة منطوقة كانت أو مكتوبة يمكن أن تحدث أثر الخير والصلاح والهدى والرشد في المجتمع، ويمكن أن بالالتزام بها أن نقلل من آثار ما نلحظه أيضاً في كثير من مجتمعات المسلمين اليوم من بعث لأسباب العصبيات المقيتة وأسباب التحزبات والفتن وما يؤدي إلى النزاع والشقاق لفقدان الالتزام أو لعدم العلم أصلاً بهذه الآداب والضوابط، والله تعالى أعلم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.