السؤال
هل نشر المواضيع الوقحة والتافهة التي تمس بقيم المجتمع وأعرافه هي حرية تعبير في الجوانب الشرعية بمعنى؟
الإجابة
لا، ليست هي من حرية التعبير وإنما هي مشمولة بقول الله سبحانه وتعالى "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"، وهي مشمولة بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أمسك عليك هذا"، فحينما سأله معاذ أونحاسب على ما تقوله ألسنتنا فقال وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم، وهي مشمولة أي أن حرية التعبير عندنا في هذا الدين وفي شرع الله تبارك وتعالى إنما منضبطة بقول الله سبحانه وتعالى "وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد"، فكل قول فيه إسفاف أو سفاهة أو فحش أو بذاءة إنما هي أقوال من الشيطان لأن الله سبحانه وتعالى حينما حذر من الشيطان قال "فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر"، ولا قائل من العقلاء طبعاً من ذوي الفطر السليمة يمكن أن يقول بأن فحش القول والبذاءة والإسفاف في الذوق والإسفاف بالمروءات والأخلاق والبعد عن الحياء والعفة أنها ليست من الفحشاء والمنكر، والله تعالى يقول "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"، فهل يمكن لأحد من العقلاء أن يقول أن الخوض في الشهوات ووصف العورات وما يحصل من حالات الإفضاء الجنسي حتى ولو كان حلالاً أنه مما أمر الله تعالى به من العدل والإحسان ومن إيتاء ذي القربى؟ لا يمكن لأحد أن يدعي ذلك، ولا يمكن لأحد أن يخالف أنه ليس من الفحشاء والمنكر والبغي، بل هو من الفحشاء والمنكر والبغي، والله سبحانه وتعالى أيضاً حينما أمر عباده بأن يقولوا القول الحسن فقال "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن"، فهل مثل هذا الإسفاف بالعقول والتمرغ في الرذيلة والبعد عن كل مروءة وفضيلة هل هو من القول الحسن الذي أمرنا الله تعالى به حينما قال "وقولوا للناس حسناً"؟ وإذا كان هذا هو شأن الكلمة التي يطلقها الإنسان بلسانه فلا يبقى أثرها بعد بعد ما تصادف الأسماع فكيف بكلمة مكتوبة يبقى أثرها وتصل إلى أبعد مدى؟ هل يمكن لعاقل أن يجادل في أن هذه أعظم خطراً وأشد أثراً وأنها أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة؟ فلا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا مما يكتنفه حرية التعبير، لأن حرية التعبير إنما هي مقيدة بالأخلاق والآداب، مقيدة بشرع الله تبارك وتعالى كما تقدم. وهذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من أن ينشر الرجل، من أن ينشر الزوج ما يحصل بينه وبين امرأته، وهي حلال له، والكل يعرف أنها حلال له، ولكنه يقول: "إن من أشر الناس عند الله تعالى" وفي رواية "إن من أعظم الأمانة" أي من أعظم خيانة الأمانة "عند الله تعالى يوم القيامة أن يفضي الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل ثم ينشر سرها". نعم. وفي هذا من الوعيد الشديد ما فيه، فكيف بحالات من الشذوذ وحالات من الفواحش والمنكرات التي تعرض في غاية من التبذل والإسفاف والفحش والنكر من القول. نسأل الله السلامة. وهذا يعني يشي أيضاً بوضع خطير يمكن أن يقوض أركان المجتمعات، لأن انتشار الفواحش وعدم التناهي عن المنكر إنما هو سبب إلى إهلاك الأمم. ونحن نرى اليوم بعض الكتاب الذين يدعون الكتابة وهم أيضاً يدعون الإصلاح إلا أنهم للأسف، إلا أن واقعهم وما ينشرونه وما يكتبونه إنما يؤكد على أنهم دعاة رذيلة، نعم، ودعاة إلى المنكر والفحشاء. رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". أين هم من هذه الحكمة؟ إن الأدب إنما يراد منه أن يرتفع بالذائقة، أن يرفع ذوق هذا الإنسان، وأن يعزز في المجتمع الفضيلة، وأن يبني اللغة ومعاني الأدب الرفيعة، وأن يدعو إلى الفضيلة وإلى مكارم الأخلاق. أما أن يدعو إلى الإسفاف وإلى التبذل وإلى الانحلال وإلى الرذيلة فإن هذه مسؤولية عظيمة، وعلى كل مسؤول، على كل صاحب سلطة يكون سبباً في نشر هذه المنكرات أو في قبول هذه الرذائل أن يتحمل مسؤوليته، أن يتحمل أمانته أمام الله سبحانه وتعالى، لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه حينما قال: "ولا تعاونوا على الإثم والعدوان". نعم. وعليه أن يتحمل مسؤوليته أيضاً وأن يؤدي أمانته نحو هذا الوطن ونحو هذا المجتمع، لأن أسباب الفتن إنما تنشأ من مثل هذه الحالات. هذا تطرف في الانحلال، والتطرف أياً كان نوعه وأياً كان مبعثه منبوذ لأنه يؤدي إلى تصرفات غير مسؤولة ويؤدي إلى أنواع أخرى من التطرف. نعم. فكيف إذا كان واقع الناس اليوم لا يحتمل مثل هذا الإسفاف، لا يحتمل مثل هذه الرذائل. نعم. هناك دماء تسفك، وهناك أرواح للمسلمين تزهق، وهناك واقع مرير يعايشه المسلمون، نعم. ثم ضاقت كل هذه القضايا وكل هذه الآلام وكل هذه الآمال والتطلعات بهؤلاء إلا أن يكتبوا ما ينشر الرذيلة وما يبعث في المجتمع السوء والفحشاء. أين إذاً هذه الغيرة المزعومة؟ أين هذه الشعارات البراقة التي ترفع؟ وكيف يتعاطى أيضاً مع مثل هذه الحالات ويقال بأن هذا من الأدب؟ الأدب يبدأ من المضمون أيضاً، لا مزايدة في هذه القضية. الأدب الذي يعتد به هو ذلك الذي يبدأ من مضمون صادق، من معنى صادق، أياً كان هذا المعنى، قد لا يكون موضوعاً وعظياً، قد لا يكون موضوعاً دينياً، لكنه في حدود الأدب، في حدود الأعراف، في حدود النظام العام، في حدود الآداب. ولهذا فعلى كل أحد أن يتحمل مسؤوليته وأن يؤدي دوره. وكم أتمنى أيضاً أن تكون هناك من التشريعات والقوانين ما تجرم مثل هذه الأفعال، وأن من وقع أيضاً في شراء مثل هذه السلع التافهة المبتذلة أن يعود، لأنه مستهلك ومن حقه أن يعود على دار النشر أو على المكتبة بمثل هذه البضاعة المزجاة وليأخذ نقوده، نعم، ولتتخذ الإجراءات القانونية ضد كل من سعى إلى نشر مثل هذه الرذائل وإلى القبول بها وإلى الرضا بها أو الإعانة عليها بوجه من الوجوه، والله تعالى المستعان.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- حدود حرية الكتابة في نقد الآخرين سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- ضوابط حرية الفكر والتعبير في الإسلام سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- القدوة القرآنية في الحوار وقبول النقد سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- مفهوم الحرية في الإسلام وحدودها سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الحشمة والعفة كصمام أمان للمجتمع ودور رمضان في تعزيزها سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي