القدوة القرآنية في الحوار وقبول النقد

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الأخلاق 2026-11-06

السؤال

فيما يتعلق بحرية التعبير، عندما يقرأ الإنسان واقع الحياة المعيشة التي كتب فيها الفلاسفة والمفكرون وأعطوا لأنفسهم الفرصة الكافية في النقد وحرية التعبير، نجدهم يصطرعون فيما بينهم، نعم يسمحون لأنفسهم أن ينتقدوا الآخر، أن يكتبوا عنه، لكن عندما تعود المسألة إليهم، إلى نقد ذواتهم، إلى من يتسلط على كتاباتهم بالنقد، فإنهم يثورون ويرعدون ويزبدون. سأضرب مثالين وبعد ذلك أطرح السؤال على إثره. يعني فلاسفة التنوير في أوروبا على كل حال بينهم صراع كبير جداً فيما يتعلق بحرية التعبير، نعم ينادون أن تكون هناك حرية للتعبير، ولكن عندما يتعلق الأمر بهم فإنهم يثورون، على سبيل المثال ما جرى بين جان جاك روسو وفولتير، وذكر ذلك ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة، نفسه حتى برتراند راسل في كتابه العالم كما أراه وهو يدعو إلى حرية التعبير بنفسه وقع في هذه المشكلة. إذا عدنا مثلاً إلى كتاب المسلمين الذين ينسبون أنفسهم أيضاً إلى عصر التنوير كالرافعي وطه حسين والعقاد، بينهم أيضاً صراع شديد عندما يتعلق الأمر بنقد كل واحد منهما للآخر، على ما يتمتعون به طبعاً من قدرات علمية. الآن السؤال، إذا كانت هذه القدوات وأدت إلى هذا النوع النسبي إن صح التعبير من حرية التفكير، هل في القرآن الكريم وفي السنة النبوية ما يعطي قدوة للكاتب أو للمعبّر بحيث يسلك هذا الطريق ولا يلتفت إلى تنظيرات الشرقيين أو الغربيين؟

الإجابة

القرآن الكريم واضح في الدعوة إلى قبول الحق ممن جاء به، وإلى نبذ الانتصار للنفس استجابة لداعي الهوى وحب الذات، بل إن القرآن الكريم يؤكد أن الحق أولى أن يتبع، وأن يكون هوى الأنفس تبعاً للحق، فربنا تبارك وتعالى يقول: "فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا"، ويقول: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض"، ويقول: "فلا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله". والذي يحصل في هذه الأمثلة التي ذكرتها أن الحوار يتحول بعد ذلك إلى انتصار للنفس وتغليب للرأي وتغلب على الآخر، فتضيع الحقيقة في هذا الخضم من الصراع الذي دفعته الأهواء والمصالح. أما ما نجده في كتاب الله عز وجل من أمثلة، نجد فيها أن أسس الحوار تقوم على إنزال المحاور منزلة تسمح له أن يتحدث، تسمح له أن يحاور، تدعوه تجعل النفس في محل السماع والقبول، مع أنه حينما ننظر على سبيل المثال في قول الله تبارك وتعالى: "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"، فهو ينزل نفسه في منزلة المحاور مع أنه النبي الذي يدعو إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، لكن حتى يزيل أي توهم بالغلبة وأن المقصود إنما هو فقط إقامة الحجة دون الدخول في حوار جاد، يبعد كل ذلك حتى ينزل نفسه منزلة من يحاوره: "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين". نجد في قوله تعالى: "قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون"، فينسب الإجرام إلى نفسه ويقول لهم أنتم لا تسألون عن إجرامنا، ويخاطبهم هم وينزههم عن الإجرام، يقول: "ونحن لا نسأل عما تعملون" أنتم. ولذلك نجد حوارات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من حوار خليل الله إبراهيم عليه السلام لأبيه ولقومه، من حوار نوح لقومه، من حوار موسى عليه السلام لفرعون وملئه، من حوار نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقومه الذين بعث فيهم، نجد أن هذه الحوارات تقوم على تتبع الحق والتهيؤ لقبوله وإنزال الآخر منزلة الاحترام في هذا السياق، سياق الحوار، البعد عما يمكن أن يدفعه إلى الصدود والجفاء، وجذب هذا المحاور بما يدعو إلى إلانة قلبه، ربنا تبارك وتعالى يقول مخاطباً موسى عليه السلام وأخاه هارون: "فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى". وهكذا فهم أيضاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصلحاء من بعدهم أن هذه الحوارات، ذكر كثيراً عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كيف أنه كان يقبل، بل قبله الصديق رضي الله عنه، حينما يقف رجل من عموم الناس ويأمره بالتقوى فيستعظم بعض السامعين ذلك فيوقفه ويقول: "لا، لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها" أو "إن لم نقبلها"، على من يرى صحة هذه الروايات وهي روايات تتعلق بالسيرة لا تتعلق بالسنة التي تبنى عليها شريعة أو فضائل أعمال، وإنما هي أمثلة قريبة، أقصد بقولي قريبة أن وقوعها محتمل مظنون غالب أن يصدر من أمثال هؤلاء العظماء، فنجد في سيرهم الكثير من أمثال هذه القصص، الكثير من أمثال هذه المواقف التي كان فيها الامتثال والالتزام بتلك المبادئ المتعلقة بالحوار وما نعرفه نحن اليوم بالنقد. أما من ذكرتهم وأشرت إليهم فإن الغالب للأسف الشديد ما تقدم من الانتصار للرأي والهوى والنفس والتغلب على الآخر وحشد الحشود من أجل ذلك، ولذلك تضيع الحقيقة، والله تعالى المستعان.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

القدوة القرآنية في الحوار وقبول النقد
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي