السؤال
المفسر الذي يعني يتحدث مع هذه الآية بهذا التفسير، ما الذي يراعيه حتى يصل أو يقترب من معنى الآية؟ [الآن نتحدث مع آيات القرآن الكريم.]
الإجابة
نعم. الواجب عليه أولاً أن ينظر في اللغة، فاللغة العربية هي الوعاء الذي اختاره الله تبارك وتعالى ليخاطبنا به في وحيه الخاتم، ولذلك يتكرر «بلسانٍ عربيٍ مبين»، «قرآناً عربياً»، يتكرر في كتاب الله عز وجل التأكيد على هذه الحقيقة. وهنا لا بد أيضاً من النظر حين النظر في اللغة إلى لغة القرآن نفسه، فإن القرآن الكريم طالما أنه نزل بأفصح لسان فإنه هو المرجع الذي ينبغي لنا أن نقلب صفحاته لنتبين دلالات مفردات لغة القرآن، بالإضافة إلى المخزون اللغوي الأدبي في اللغة العربية فإن المصدر المتقدم عليها هو القرآن نفسه، كيف استخدم القرآن الكريم تلك الألفاظ، ما هي المواضع والسياقات التي وردت فيها، ما هي الدلالات والفروق اللغوية التي تكون بين ما يظهر أنه شديد الترادف من هذه الألفاظ أو ما كان متبايناً، وهذا مما لا يلتفت إليه كثيرٌ من المفسرين للأسف الشديد، ينظرون في كتب اللغة لكنهم لا ينظرون في الاستخدام القرآني، بينما لو سلطوا أنظارهم إلى المواضع التي وردت فيها تلك المفردة في كتاب الله عز وجل فإنها ستكشف لهم عن المعاني القرآنية، إذ الملاحظ أيضاً، وهذا مما لاحظته بنفسي، أن بعض علماء اللغة تأثروا بجهد المفسرين فأدخلوا في معاني المفردات ما كان قد قاله المفسرون، فهو ليس من أصل وضع اللغة وإنما أوردوه أقوالاً لأن المفسرين قالوا بذلك، ومعلومٌ أن المفسرين كانوا في الذروة من المنزلة العلمية وأن كثيراً منهم هم من أرباب اللغة العربية أصلاً. الأمر الثاني، حتى فيما يتعلق باللغة العربية لا يصح أن يقتصر على قراءةٍ واحدة، فإن كثيراً من الباحثين أيضاً تجد أنهم يبينون الحكم المرتبطة بمفردةٍ معينة في كتاب الله عز وجل مع أنها وردت في القراءات السبع وحتى في القراءات العشر المتواترة وردت على غير تلك الصيغة، على سبيل المثال «من يقنت» يمكن أن ترد في قراءةٍ أخرى «من تقنت منكن»، وهكذا في سياقاتٍ متعددة بحسب القراءات فلا يصح أن يقتصر على قراءةٍ واحدة، لأن باقي القراءات المتواترة حجةٌ أيضاً. وكذا الحال بالنسبة للرسم، كثيرٌ ممن يشتغلون ببيان بعض وجوه الإعجاز في كتاب الله عز وجل يقصرون أنظارهم على الرسم الحجازي ولا يلتفتون إلى الرسم الشامي على سبيل المثال ولا إلى الرسم المغربي مع وجود بعض فروق عدها بعضهم إلى أربعة أو بعضهم أوصلها إلى سبعة فروق في الرسم، فتنخرم القاعدة التي يدعيها أولئك لأنهم عولوا على رسمٍ واحد مع أن الكل مصحف، وإنما يمكن لهم أن يقولوا في هذا الرسم، بهذا الرسم هناك الوجه الفلاني من الإعجاز، هناك البيان أو الحكمة، وفي الرسم الآخر هناك حكمةٌ أخرى. سأعطي، لكن بعض المواضع لا هي مواضع متفقٌ عليها، حتى لا يكون كلامنا نظرياً، «امرأة» ما يتعلق بالرسم، موضوع القراءات أوضح، ما يتعلق بالرسم في كتاب الله عز وجل إذا أضيفت المرأة إلى بعلها فإنها تكتب بتاءٍ مفتوحة، مطرد في كل القرآن، «امرأة فرعون»، «امرأة العزيز»، «امرأة نوح»، «امرأة لوط»، في كل القرآن الكريم طالما أضيفت إلى بعلها فإن تاءها تفتح، أما إذا كانت دون إضافة، إذا لم تضف المرأة إلى بعلها فإنها تأتي بتاءٍ مربوطة، وهذا مطرد في كتاب الله عز وجل، فهذا لا إشكال فيه، لكن نأتي في مواضع أخرى سنجد أن هناك فروقاً في الرسم، ولعلنا تحدثنا عن على سبيل المثال رسم كلمة «إبراهيم»، وتجعل منها قضية مع أن الرسم رسم المصحف في كلمة «إبراهيم» إنما جاء ليحتمل وجوه القراءات المتواترة أيضاً، وجوهاً من القراءات المتواترة. حتى لا أطيل، الآن سأنتقل أيضاً إلى أهمية السنة النبوية الصحيحة الثابتة في المنهج التفسيري، يأتي بعض الباحثين ويدعي أن هناك فروقاً معنوية في مفرداتٍ استخدمت في كتاب الله عز وجل ويطرح السنة بالكلية، هذا غير صحيح، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو المبلغ عن ربه قد أوتي جوامع الكلم، وهو في ذروة فصاحة بني البشر صلى الله عليه وآله وسلم، فقوله حجة وبيانه غايةٌ في الإعجاز، ولذلك فإن ما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن يعول عليه حينما ننظر في تفسير آيات الكتاب العزيز، هذا بالإضافة إلى ما يقرره أيضاً العلماء من ضوابط وشروط تتعلق بالتفسير والتدبر لكتاب الله عز وجل، لكن الغريب أن بعضهم يذكر، اعذرني في وقتٍ قصير، يذكر ما يسمى علم الإلهام، ذكره حتى صاحب الإتقان ونقله عددٌ من الباحثين، يقصدون الفراسة، الملكة، قد تتحقق تلك الشروط التي يذكرها الفقهاء من معرفة الناسخ والمنسوخ واللغة والأصول وغيرها، لكن نعم يفتقر إلى الحس الذي يمكنه من التعامل مع آيات الكتاب العزيز، ولذلك جعلوه من الشروط، يعني بعض الفقهاء جعل ذلك من الشروط أن تكون لديه ملكة أقرب إلى الحس والذوق الرفيع الذي يستطيع أن يتذوق به الفروق ويتبين به عميق المعاني والتفاصيل التي تكتنف آيات الكتاب العزيز، وهذا قد لا يكون بعيداً، يعني قد تجد عالماً هو أبرع في استنباط الأحكام الفقهية من الآيات ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ملكته هناك في استنباط الأحكام الشرعية، بينما تجد عالماً آخر أكثر براعةً في التقاط جواهر البيان ولطائف المعاني وتجد أنها تسري إلى القلب مباشرةً وتورث قناعةً في العقل، لا يعني أن العالم الآخر أقل منزلةً منه وإنما هذا فتح الله تعالى عليه لأن هناك أسباباً مما يعرف، لنتفق على نفس التسمية، هذا الإلهام من الله تبارك وتعالى فتح له فتوحات ما أتيحت لغيره، والله تعالى أعلم.
لا هي نعم أحسنتم، المعارف لا بد منها، الملكة العلمية هذا شرطٌ متفقٌ عليه، وإنما هؤلاء كثيرٌ منهم يقول إنها لا تتحصل إلا بمزيد عبادة وقربى من الله تبارك وتعالى، أن هناك إلحاحاً من هذه النفس على الله تعالى لكي يكشف لها غوامض خافية في كتاب الله عز وجل ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالعمل الصالح والدعاء والضراعة والتبتل ومزيدٍ من النوافل حتى يفتح له في هذا الباب، ولذلك تجد أنه شديد الصلة بكتاب الله عز وجل، شديد التلاوة، شديد القراءة، قريب دائماً ما يستشهد بآيات، تنجذب نفسه إلى القرآن الكريم ليتلمس مختلف وجوه البيان والإعجاز فيه، لا يقتصر على جانبٍ دون آخر.
لا هي نعم أحسنتم، المعارف لا بد منها، الملكة العلمية هذا شرطٌ متفقٌ عليه، وإنما هؤلاء كثيرٌ منهم يقول إنها لا تتحصل إلا بمزيد عبادة وقربى من الله تبارك وتعالى، أن هناك إلحاحاً من هذه النفس على الله تعالى لكي يكشف لها غوامض خافية في كتاب الله عز وجل ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالعمل الصالح والدعاء والضراعة والتبتل ومزيدٍ من النوافل حتى يفتح له في هذا الباب، ولذلك تجد أنه شديد الصلة بكتاب الله عز وجل، شديد التلاوة، شديد القراءة، قريب دائماً ما يستشهد بآيات، تنجذب نفسه إلى القرآن الكريم ليتلمس مختلف وجوه البيان والإعجاز فيه، لا يقتصر على جانبٍ دون آخر.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- شروط من يتصدى لتفسير القرآن سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- أدوات المفسر بين التقليد والاستقلال سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- فهم عامة المسلمين للقرآن والفرق بين التفسير والتدبر سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- هل يكفي النظر في كتب التفاسير عند الاستشهاد بالآيات سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- الرد على القول بإعجاز القرآن بالصرفة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي