الرد على القول بإعجاز القرآن بالصرفة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

السؤال

يسألكم عن رأي من يقول أن عدم مجاراة القرآن الكريم ومضاهاته جاء بإعجاز الصرفة، بمعنى أن الله تعالى صرفهم عن محاكاة القرآن الكريم وإلا فكان يمكن أن يكون بمقدورهم ذلك، ما رأيكم؟

الإجابة

هذا القول في الحقيقة قول شاذ، وواقع علماء الإسلام ممن اشتغل بعلوم القرآن عموماً وبعلوم التفسير بكل أنواع علوم التفسير، من علوم الغريب والمشكل والمتشابه والنكت إلى علوم التفسير والتأويل، كلمتهم، صنيعهم متفق على كشف وجوه هذا الإعجاز، وكل يأخذ من إعجاز القرآن الكريم بقدر ما تسعفه عبارته وبقدر ما ينقدح في ذهنه مما يمن به عليه ربه تبارك وتعالى. ولذلك فإن الزعم بأن إعجاز القرآن إنما هو ناشئ عن الصرفة قول شاذ، مسألة أقرب إلى الجانب النظري لأن جماهير المسلمين صنيعهم، فعلهم يؤكد بكشفهم لوجوه الإعجاز ولوجوه البلاغة في كتاب الله عز وجل، وتبريهم في هذه الميادين واكتناههم لما اشتمل عليه كتاب الله تبارك وتعالى من وجوه إعجاز، كل ذلك يدل على أن هذا الإعجاز إنما هو تبيان لحقيقة أن هذا الكتاب إنما هو من عند الله تبارك وتعالى وأنه قد خاطب به البشر، فهو كلامه جل وعلا المعجز المتعبد بتلاوته الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون شاهداً على صدقه وعلى صدق رسالته. فأنا لا أريد أن أعيد كلاماً كثر تكراره، وإنما أريد أن أنقل القضية إلى بيان أن أثرها في الواقع نعم يوجد بين فترة وأخرى من يتبنى هذا القول، لكن هل يتفق هذا مع ما عليه المسلمون من اكتشاف هذه الوجوه؟ ومن تبيّن وجوه الإعجاز، ومن التنافس على إظهارها، وكلٌّ يدلي بدلوه ممّا أفاض الله تبارك وتعالى عليه من علومٍ ومعارف. أذكر في هذا السياق بعض ما يبيّن وجوه الإعجاز في كتاب الله عزّ وجلّ. نعم، هو صحيح أنّ العقل الواحد من عقول المكلّفين لا يتأتّى له أن يحيط بكلّ وجوه الإعجاز، وأن يبيّنها وأن يكشفها للناس. فلنأخذ غير المسلمين على سبيل المثال، يعني يُذكر أنّ بعض نصارى العرب ممّن يُشهد له بتضلّعه في العربيّة، مع درايته بما في كتبهم، كتب النصارى، فإنّه في سياقٍ كان يحدّث فيه صاحباً له أيضاً هو من علماء العربيّة الكبار في القرن الماضي، في هذه القضيّة، قضيّة إعجاز القرآن، وهل هو مدركٌ حقّاً أنّ هذا الإعجاز إعجازٌ حقيقيّ تقف عنده عقول البشر، وغاية ما يستطيعونه هو أن يكتشفوا بعض الوجوه؟ فاقترح عليه أن يجرّبا الكتابة، نعم، في قضيّةٍ من القضايا، في موضوعٍ من الموضوعات، ثمّ يقارنا ما يخرجان به بما في القرآن الكريم. فاختارا الكتابة عن امتلاء جهنّم. نعم، فأخذا يسوّدان ويبيّضان، يسوّدان ويبيّضان، كلٌّ منهما يعيد صياغة ما يكتب ويحكمه، حتّى كتبا عشرين جملة. فقرأ كلٌّ منهما على صاحبه ما كتب. فلمّا فرغا وقد ظنّا أنّهما أتيا بشيء، إذا بأحدهما يقول لصاحبه: لم نأتِ بشيء. سبحان الله. قال: وما ذاك؟ قال: لأنّ القرآن يقول: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ». فصُعق الآخر، قال: هذا في القرآن؟ والله ما صنعنا شيئاً. سبحان الله. فـ الحاصل، هذا مجرّد مثالٍ فقط، نعم، لكن واقع المسلمين وصنيعهم ممّا دوّنوه وكتبوه وتحدّثوا فيه وممّا هم سائرون فيه من كشف وجوه الإعجاز في كتاب الله عزّ وجلّ يؤكّد أنّ ذلك راجعٌ إلى روعة البيان وعظمة البلاغة في كتاب الله عزّ وجلّ، لا إلى صرف عقول الناس عن محاكاته والإتيان بمثله. نعم. يذكر بعض المعاصرين من القرن الماضي وهو يتحدّث عن بلاغة القرآن، يقول: أنّى لعبارتي أن ترقى إلى بلاغة القرآن؟ هذا الكتاب الذي يكشف لنا خلجات النفوس ممّا لا يمكن لبشرٍ أن يطّلع عليه. نعم. فلا يمكن لمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم أن يحكي لنا ما جاش في نفس يوسف عليه السلام حينما قال إخوته: «إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ»، فقال القرآن: «فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ». فإن كان يوسف قد أسرّها في نفسه، فكيف علمها محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم؟ وأيّ كتابٍ قبله ذكر مثل هذا؟ وحينما أصاب أمّ موسى الهمّ والفزع على وليدها، إذا بهذا القرآن يحكي هذا المشهد فيقول: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا». هل غاص محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم في فؤاد أمّ موسى حتّى يصف مشاعرها وحالة الهلع والخوف والفزع بهذا التعبير القرآنيّ الدقيق؟ عجيب. فـ ثمّ يعني استطرد في بيان بعض الوجوه التي نجدها في كتاب الله عزّ وجلّ على سبيل المثال، هذا مجرّد تمثيل، نجد في العربيّة مثلاً أنّهم يستثقلون، يعني علماء البلاغة يستثقلون الإتيان بـ جموع التكسير، نعم، أن يكثروا منها في الجملة القرآنيّة، في الجملة الواحدة، لأنّها ثقيلة، جموع التكسير هكذا هي لفظها ثقيل، مصابيح و.. نعم. فـ ثمّ بعد ذلك يجدون في القرآن الكريم: «إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ». في جملةٍ قرآنيّةٍ واحدة: «إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ». ثلاثة جموعٍ لحكاية ثقل هذا الموقف حتّى يشعر القارئ أنّ هذا الوصف الذي يصف الله تبارك وتعالى به هؤلاء متناسبٌ مع حقيقة موقفهم، وكلّ كلمةٍ منها مشتملةٌ على حرفٍ ثقيل، كلّ كلمةٍ منها هي جموع تكسير وكلّ كلمةٍ منها مشتملةٌ على حرفٍ ثقيل، على حرف استعلاء كما يقال في علوم التجويد. فـ لو كان الأمر بالصرفة، كيف كان يمكن لهم أن يتبيّنوا هذه الوجوه وأن يتنافسوا فيها وأن يأتي كلّ واحدٍ من العلماء الذين اشتغلوا بإظهار وجوه البلاغة والإعجاز في كتاب الله عزّ وجلّ بما أتوا به؟ نعم. فالخلاصة أنّ هذا القول، يعني مع نسبته إلى من نُسب إليهم وما جرى من أخذٍ وردٍّ فيه وما أظهره أيضاً علماء الإسلام من ضعف هذا القول وشذوذه، هو أقرب في حقيقته إلى الخلاف النظريّ منه إلى الخلاف البعيد عن الواقع. نعم. فهذا يكفي لبيان الردّ على هذه المقولة والله تعالى أعلم. وفيه الكفاية. نعم، لكنّ القول يعني ممّا ينبغي أن يتنبّه له أيضاً في هذا الأمر هو نسبة الأقوال وإظهار بعض قائليها دون بعض، نعم، لأنّ هذا القول على الصحيح لم يقل به بعض المعتزلة فقط، بل قال به عددٌ من علماء المذاهب الكلاميّة والفقهيّة الإسلاميّة الأخرى. نعم. فلم يكن من الإنصاف أن يكون التركيز على ما نُسب إلى النظّام أو إلى غيره من المعتزلة دون غيره أو دون غيرهم ممّن نحا هذا النحو وقال بهذا القول. نعم. ولكن مع ذلك فإنّه ليس من الإنصاف أيضاً التعميم، فإنّ صنيع علماء الإسلام كما تقدّم يؤكّد على أنّ هذا القول قولٌ مطرحٌ شاذّ والله تعالى أعلم.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي

فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.

📺 شاهد الفتوى

الرد على القول بإعجاز القرآن بالصرفة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي