رصّ القبور وأدب الإنكار في المسائل الخلافيّة

نص الفتوى الكامل مع بيانات التصنيف والتاريخ

#الجنائز 2026-11-07

السؤال

هل توحيد القبور أو رصّ القبور له أصلٌ في السنّة؟

الإجابة

لا، لم نجد له أصلاً في السنّة، وقد نصّ على ذلك غير واحدٍ من أهل العلم. ولكنّني أريد أن أنبّه على مسألةٍ مهمّة، وهي أنّ النزاع يكثر في بلادنا بين كثيرٍ من الناس في بعض المسائل بسبب أنّ بعض الناس وجدوا من سبقهم يعملون بعض الأعمال، كأن يقوم بعضهم بالتوشيش في هذه القبور، أو يقوم بمسح وجهه بعد الانتهاء من الصلاة، أو يمسح رقبته في الوضوء أو ما شابه ذلك من الأمور، ويأتي بعض الناس وينكر عليه، وقد يتشدّد ذلك المنكر وقد يتعنّت ذلك الشخص أيضاً الذي يقال له بأنّ هذا الأمر لا أصل له في سنّة رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وذلك يقع في مسائل كثيرة. وهذا ممّا لا ينبغي وقوع التنازع فيه، فينبغي لكلّ أحدٍ أن يعرف كيف ينكر، وبعض الأمور يعرف بأنّه قد وجد فيها خلافٌ بين أهل العلم، وبعض الأمور سكت عنها بعض أهل العلم في وقتٍ من الأوقات حتّى يمكنهم أن يبيّنوا ذلك، ولا سيّما أنّها لا تؤدّي إلى فعل محظور ولا إلى ترك واجب. فمثلاً لو أتينا إلى مسح الرقبة، لا شكّ بأنّه لم يثبت حديثٌ عن النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يدلّ على مشروعية ذلك، ولكنّه قد قال به كثيرٌ من أهل العلم من أصحابنا ومن غيرهم، وقد احتجّ له بعض العلماء ببعض الأحاديث التي توهّموا بأنّها ثابتةٌ عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. فإذا عمل هذا الإنسان بذلك ومسح رقبته ظنّاً بأنّ ذلك ثابتٌ أو ما شابه ذلك لا ينبغي أن يشتدّ الإنسان عندما ينكر عليه، يمكن أن يوجّه له بأسلوبٍ في وقتٍ يمكن لذلك الشخص أن يتقبّل منكم ذلك بأنّ هذا الأمر لم يثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، فالأولى تركه. وذلك الشخص أيضاً ينبغي أن يتقبّل ذلك إذا كان يثق بذلك الشخص، وإن كان لا يثق به يمكنه أن يسأل عن ذلك أهل العلم، ولا ينبغي له أن يتعنّت في مثل هذا الأمر. كذلك هذه المسألة التي ذكرها السائل هنا، قد أدّى الأمر إلى النزاع والخصومة بين بعض الناس في هذه المسألة، وقد أدّى الأمر أيضاً إلى سبّ وشتم بعض العلماء الذين نسب إليهم بأنّهم لا يرون ذلك، وينبغي هنا أن نفرّق بين إنكار بعض العلماء وبين إنكار بعض الناس من العوامّ أو من طلبة العلم. فالعالم إذا قال الناس يستمعون له لأنّهم في الغالب يثقون به وبعلمه ويصدّقونه فيما يقول، إلا أنّه قد يتنطّع بعض المتنطّعين فهؤلاء ممّن لا يعبأ بقولهم ولا بفعلهم، وأمّا المبتدئ وما شابه ذلك فقد لا يصدّقونه فيما يقول، أو قد لا يعرف كيف ينكر، قد يأتي ويشتدّ على بعض العوامّ في حضرة بعض الناس، ويرى ذلك العامّ إهانةً له من ذلك الطالب الصغير الذي يعرف أباه وهو في المهد أو أنّه أكبر من جدّته أو ما شابه ذلك، ومن هنا يقع الجهل والعصبية والعياذ بالله تبارك وتعالى من ذلك. فهذا الأمر، ثمّ العلماء قد يسألون والمسؤول يجد نفسه مضطرّاً للجواب عن بعض المسائل، لكنّه قد يرى هو نفسه بعض الناس يمسحون على الرقبة ويسكت عن ذلك، نعم تركوا القول الأرجح في هذه القضية ولكنّهم لم يرتكبوا محظوراً ولم يتركوا واجباً، قد يقال بأنّهم ابتدعوا، ولكنّ البدعة معنى ذلك أنّهم خالفوا الحديث الثابت عن النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ولست أهوّن من مخالفة حديث رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم كلاّ وحاشا، وإنّما أقول بأنّ هؤلاء يمكن نصحهم وتوجيههم بأسلوب، وإذا تركوا مدّةً من الزمن لا حرج في ذلك لأنّ هذه المسألة ليست من الأمور التي يقطع العذر فيها وليس فيها دليلٌ مقطوعٌ به كما هو معلوم. فإذاً لا بدّ من النظر في مثل هذه الأمور، ولا بدّ للذين ينكرون على فعل كذا أو ما شابه ذلك أن يتّخذوا أسلوباً لائقاً وفي وقتٍ يمكنهم التقبّل منهم، كما أنّ الذين يدعون إلى ذلك ينبغي لهم أن يتقبّلوا ذلك بصدرٍ رحب، فإن وثقوا بذلك أخذوا به، وإن لم يثقوا بذلك سألوا أهل العلم، ولا ينبغي لأحدٍ أن يتنطّع وأن يخالف أهل العلم، والعياذ بالله تبارك وتعالى، والله تعالى وليّ التوفيق. فما ذكرته في هذه القضية من أنّ ذلك لم يثبت لا يعني ذلك بأنّ من فعله يكون قد ارتكب بدعةً أو ما شابه ذلك، نعم إذا أمكن توجيه الناس وإخبارهم بأنّ هذا لا ينبغي لعدم ثبوته بأسلوبٍ لائق فذلك هو المطلوب، وإلا فيمكن أن نسكت ذلك بعد وقت كما ذكرت، والله تعالى وليّ التوفيق.

المفتي

سؤال أهل الذكر، الشيخ سعيد القنوبي

فتاوى الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي في برنامج «سؤال أهل الذكر» وغيره، مفرّغةً من التسجيلات ومدقّقةً ومراجَعة.

📺 شاهد الفتوى

رصّ القبور وأدب الإنكار في المسائل الخلافيّة
▶
📱 تنزيل التطبيق ✍️ اسأل سؤالك الخاص

للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي