السؤال
في حديث تنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ما صحة هذا الحديث وما قول الإباضية في هذا؟
الإجابة
نعم هذا الحديث رواه الإمام الربيع في مسنده وظاهر الإسناد الاتصال إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حكم بثبوت هذه الرواية طائفة من علماء الحديث سواء عند الربيع أو عند غيره، لكن هناك أيضاً من حكم بضعف هذه الرواية، منهم من ضعفها بسبب إسنادها عند الآخرين ومنهم من ضعفها بسبب متنها لعدم ضعف إسنادها في الظاهر عند الربيع فكل رواتها ثقات وظاهر السند الاتصال، واختلف القائلون بثبوت هذه الرواية أي في تأويلها، فمنهم من قال بأن ذلك يراد به المبالغة لأن عدد السبعين يستعمل عند العرب للمبالغة وأن هذه الأمة ستفترق أكثر مما افترقت إليه اليهود والنصارى وليس المراد تعيين العدد ولو ذكر عدد ثلاث وسبعين وإنما هي فرق كثيرة، وبعض أهل العلم أخذ بظاهر الرواية بأن الفرق ثلاث وسبعون واجتهد أن يعدد هذه الفرق بأسمائها ويعينها لكنه لم يصل في ذلك إلى نتيجة لأن تعيين هذا العدد من الصعوبة بمكان ثم إن معيار هذا التقسيم لا يعلم إذ لم يظهر في الرواية ولأن هذه الفرق أو الانقسام يزداد يوماً بعد يوم أو ربما قرناً بعد قرن فكيف يحد بهذا العدد ليتوقف عنده مع أن العدد يزيد؟ فلذلك نفوض هذا الأمر إلى الله تعالى، والذي يهمنا في هذا أن المسائل عندنا نوعان: مسائل قطعية ومسائل ظنية، فالمسائل القطعية هي التي لا يجوز فيها الخلاف، فمن خالف في مسألة قطعية لا يتسامح معه أياً كان ولو خالف في مسألة واحدة، ولا أقصد بأنه لا يتسامح معه أنه يخرج عن الإسلام، كلا، ولكن ما دام يشهد الشهادتين ويأخذ بقوله الخاص به في هذه المسألة متأولاً فلا يخرج عن الإسلام ولكن مع ذلك ما دام يخالف الدليل في مسألة قطعية فهو على ضلال والعياذ بالله، لأن شروط المسألة القطعية ثلاثة: أولها أن يكون هذا الدليل من الكتاب أو السنة، ثانيها أن يكون هذا الدليل من الكتاب أو السنة قطعي الثبوت أي متواتراً، فالحديث الآحادي لا يعتد به في هذه المسائل القطعية لأنه ظني الثبوت، وعلى هذا لا يكون حجة في المسائل القطعية إلا القرآن أي الآية من القرآن أو جزء منها وإلا الحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعد قطعي الثبوت، والشرط الثالث أن يكون هذا الدليل قطعي الدلالة أي من باب دلالة النص التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، فما دام هذا الدليل يحتمل أكثر من معنى إذاً فهو ليس بقطعي الدلالة ولو كان قطعي الثبوت أي ولو كان آية من القرآن أو حديثاً متواتراً، فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة بحيث لم يتخلف واحد منها فإذاً المسألة قطعية ولا يجوز الخلاف فيها، ومن خالف فيها الدليل القطعي أي ما يدل عليه إن كان بتأويل فهو فاسق وإن كان بغير تأويل فهو مشرك لأن الله تعالى يقول: "فماذا بعد الحق إلا الضلال"، أما النوع الثاني من المسائل فهي المسائل الظنية، هذه التي يجوز فيها الاختلاف ويقبل فيها الاجتهاد ولا يجوز فيها التفسيق ولا التبديع ولا التضليل، وكثير من المسائل بين الأمة من هذا النوع، وإنما المسائل القطعية قليلة جداً كمسائل الصفات مثلاً أو بعض مسائل المصير مما يتعلق بالخلود في النار والخروج منها، فنحن لا نرضى أبداً القول بفناء النار وخروج أهلها منها، هذا قول باطل يخالف الأدلة القطعية عندنا، ولا نرضى وصف الله تعالى بصفات المخلوقين التي أشرت إليها سابقاً فهذا باطل لا نرتضيه، ولكن مع ذلك لا نقول إن قائل هذا مرتد عن الإسلام بل نقول هو على باطل، وأما المسائل الفرعية الظنية فيجوز فيها الخلاف، نعم نقول بأنه يتبع فيها الدليل الأقوى، كمسائل الرفع والضم وقول آمين في الصلاة والقنوت، فهذه مسائل فرعية ظنية اجتهادية، لا يفسق فيها المخالف لمجرد أنه قال بقول منها، مع أننا نقول لا يشرع الرفع والضم في الصلاة، ولا يشرع قول آمين في الصلاة، ولا يشرع القنوت في الصلاة، ولكن من أخذ بقول آخر بناء على مذهبه، فلا نقول بأنه فاسق لأنه قال هذا. فبعض علمائنا يقول قد يكون مصيباً، وبعض علمائنا يقول هو مخطئ ولكنه لا يأثم على اجتهاده لأنه أخطأ، بل يؤجر على اجتهاده، أما المصيب فله أجران، أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحق. طبعاً هذا لو سلم أن هناك شخصاً يقول بهذه المسائل الظنية دون أن يتلبس بخلاف في مسألة قطعية، وإنما نتكلم عن كل مسألة على حدة. وهذا مبسوط في كتب العلم عند علمائنا، فالإمام السالمي رحمه الله تعالى يقول:
ولا يصح بين قطعيين .. تخالف ولا بين ظنيين
الأصل التناقض في المسائل القطعية لا يمكن، لأن الحق فيها لا يتعدد، بينما المسائل الظنية عندنا معشر العباد يجوز، لكن عند الله فلا. ولذلك قال بأن المسائل الظنية الاجتهادية يقبل فيها الخلاف، فقال:
والخلف في مجتهدين اختلفا .. فصوب الجميع بعض فاعرفا
وقيل إنما المصيب واحد .. لكنه لا يأثم المباعد
فمن أصاب فله أجران .. وأجر الاجتهاد يعطى الثاني
والله تعالى أعلم.
ولا يصح بين قطعيين .. تخالف ولا بين ظنيين
الأصل التناقض في المسائل القطعية لا يمكن، لأن الحق فيها لا يتعدد، بينما المسائل الظنية عندنا معشر العباد يجوز، لكن عند الله فلا. ولذلك قال بأن المسائل الظنية الاجتهادية يقبل فيها الخلاف، فقال:
والخلف في مجتهدين اختلفا .. فصوب الجميع بعض فاعرفا
وقيل إنما المصيب واحد .. لكنه لا يأثم المباعد
فمن أصاب فله أجران .. وأجر الاجتهاد يعطى الثاني
والله تعالى أعلم.
المفتي
الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
الشيخ د. عبدالله بن سعيد بن خلفان المعمري (مواليد 1972) محاضر سابق في في كلية العلوم الشرعية بعُمان ومتخصص في القرآن وعلومه؛ تخرج من معهد القضاء الشرعي والوعظ (1994)، ونال الماجستير من جامعة آل-البيت بتخصّص «القرآن وعلومه» ثم حصل على الدكتوراه من جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة. يبدي نشاطًا دعويًا وعلميًا متواصلًا (خطب الجمعة، محاضرات وكتب ومحاضرات مسجّلة على قناته)، أنشأ معهد النجاح للإدارة والتدريب. وله مساهمات في التدريس والبحث في أصول الدين والتفسير. 
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- منهج الإباضية في أحاديث أشراط الساعة سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- صحة حديث العشرة المبشرين بالجنة مجلس السبت، الشيخ ماجد الكندي
- الفرق بين مسائل الدين ومسائل الرأي سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- شرح حديث (يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم): من هم المقصودون، وما أسباب الغلو والتشدد سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- مصادر الإباضية في السنة النبوية الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي