حتى نزيد هذا الأمر توضيحاً فضيلة الشيخ بأننا نعالج أيضاً واقعاً يعيشه المسلمون وهو القتل على الهوية. يعني البعض يقول ممن ينتهج هذا النهج يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل ذلك بالمنافقين لأن الإسلام كان في بدايته ويخشى أن يتأثر الناس سلباً ويبتعدوا عن الدين عندما يروا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه. أما وأن الأمر قد استقر للمسلمين وأصبحوا سادة في هذه الأرض فعليهم إذاً أن يقتلوا المنافقين، فعمر رضي الله عنه أوقف سهم المؤلفة قلوبهم وقال كان ذلك عندما كان الإسلام محتاجاً إليهم. كيف يكون الرد على مثل هذا التكييف؟
الإجابة
لا، هذه حجة واهية، ذلك أن النفاق الاعتقادي عند جماهير أهل العلم من مختلف المذاهب الإسلامية قد انتهى أمره، إذ لا سبيل إلى القطع بالنفاق الاعتقادي بعد انقطاع الوحي، إذ كانت السبيل التي عرف بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأحوال هؤلاء الذين يضمرون الشرك ويظهرون الإسلام إنما هي من خلال الوحي فقط، فلما انقطع الوحي لم يعد هناك من سبيل إلى تبين أحوال هؤلاء المنافقين نفاقاً اعتقادياً. وأما النفاق العملي فهو من باب أولى أن لا تجري عليه شيء من أحكام المشركين وألا تباح دماؤهم، ولهذا نجد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكثير من التحذير من خصال المنافقين، من خصال النفاق، ويقصد بذلك النفاق العملي، كقوله: "ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالص النفاق ومن كانت فيه إحداهن كانت فيه خصلة من خصال النفاق"، وفي رواية "أربع من كن فيه"، وذكر "إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا خاصم فجر"، وفي رواية "وإذا عاهد غدر". فهذه أعمال هي علامات للنفاق العملي، والمقصود بالنفاق العملي هو أيضاً ما يعرفه بعض العلماء بكفر النعمة وما يعرفه غيرهم بالفسوق والعصيان وما يسميه بعضهم بكفر دون كفر. فهذه من هذا هو النفاق العملي، ولا قائل أن هؤلاء الذين هم من هذا الصنف يمكن أن تباح دماؤهم، يمكن أن يكون حكمهم القتل، لأن لموجبات القتل في الإسلام أسباباً حددتها هذه الشريعة، وهي موكولة إلى ولي الأمر أيضاً في تنفيذها شأنها في ذلك شأن سائر الحدود، وبالتالي فلا مدخل بمثل هذه الحجة لقتل الذين يظهر منهم الإيمان ويظهر منهم الإسلام، لا سبيل إلى أمثال هؤلاء الذين ينزعون هذا المنزع الذي فيه من الغلو ما لا يخفى إلى أن يحتجوا بمثل هذه الحجج الواهية. ومع ذلك لو سلمنا جدلاً، فهل مقتضى الحكمة عندهم هم أدعى لانتهاك الدماء مما كان عليه حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل هم أرعى لحدود هذا الدين ولمقاصده وغاياته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يحتجوا بمثل هذه الشبهات وهذه الحجج الواهية؟ إذاً إنما هي وساوس من الشيطان وتبريرات لارتكاب جرائم وإتيان فضائع ما أنزل الله تعالى بها من سلطان. مع ذلك هو من حيث الأصل ممنوع، هو من حيث الأصل ممنوع لأن دماء الموحدين معصومة لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وفي رواية "وأعراضهم"، ثم قال: "إلا بحقها وحسابهم على الله"، وبين ما هو حقها حينما قال: "الثيب الزاني والمارق من الدين المفارق للجماعة"، وقال "زناً بعد إحصان أو المفارق لدينه التارك للجماعة أو النفس بالنفس". هذه هي الوجوه التي يمكن أن تباح بها ومردها إلى ولي الأمر، إلى الحاكم الشرعي العادل لكي يقيم حدود الله سبحانه وتعالى بعد ثبوتها على مرتكبيها. مرده إلى ولي الأمر نعم، هذه حدود، هذه حدود مردها إلى ولي الأمر، لا يمكن لأي شخص أن يشخص المسألة ويطبق.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه:
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال.
فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.