السؤال
توجد مراكز صيفية ومدارس ومراكز للتفقيه في الدين وللعناية بعلوم الشريعة بكتاب الله عز وجل وبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن بعض الناس يعزف أو يتردد أو أنه لا يرى الأثر الذي يدفعه أيضاً إلى أن يضحي بوقته أو أن يوجه أولاده إلى هذه المراكز، فما هي الكلمة التي توجه إلى هؤلاء؟
الإجابة
ما نفع الفقه في الدين؟ لماذا يعتني أهل الشريعة وأهل الفقه بنشر الفقه في دين الله تبارك وتعالى؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». ربنا تبارك وتعالى حتى في أشد الساعات صعوبة حينما يواجه المسلمون الخطوب يقول: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ». لما بيّن لنا لماذا أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إلينا قال: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ». أنا باختصار، خاصة أن هذه الجلسة جاءت بعد الغداء، سأذكر لكم أهم منفعتين للتفقه في دين الله تبارك وتعالى، ثم بعد ذلك لينظر كل أب أو مربٍ أو معلم أو مسؤول أو فرد هل يرغب في أن يحوز هاتين الفائدتين؟ هل يرغب في أن يحوز أولاده وأهل بيته هاتين الفائدتين أو لا يرغب؟ يحدد هو. لكن لنعرف أنت إذا غرست شجرة فإنك ترجو منها ثمرة، ستعتني بها إذا عرفت هذه الثمرة ما هي، هل تحتاج إليها؟ هل تستفيد منها؟ وسوف تتعهد تلك الشجرة بالرعاية وبكل ما تحتاج إليه لأنك تنتظر الثمرة. الآن ما ثمرة التفقه في دين الله تبارك وتعالى؟ هناك ثمرتان. الثمرة الأولى: تعظيم دين الله تبارك وتعالى. حينما يتفقه المرء في دينه فإنه تنكشف له أسرار هذا الدين، تنكشف له الحكم والأحكام والجواهر واللآلئ التي تشتمل عليها شريعتنا الحنيفة السمحاء. الجاهل لا يعرف هذه الثمار، ولذلك فإنه لن يعظم الدين، لن ينزل هذا الدين المنزلة اللائقة به لأنه يجهل، لا فقه عنده. لكن حينما يجد هذا المتعلم أن دين الله تبارك وتعالى الذي أكرمنا به وارتضاه لنا واختصنا به يتناول كل مفردات حياته، ما يحتاج إليه في عبادته، في صلته بالناس، فيما يأتيه من أمور مالية، فيما يأتيه من أمور العبادات، في علاقته بغيره، ينظم له أحوال المجتمع، ينظم له أحوال الأسرة، ينظم له أحوال أمته، أحوال الدول، الشؤون السياسية، كل ما يحتاج إليه سيجد أن هناك فقهاً يتناول هذه القضايا كلها، ما يحتاج إليه في طهارته إلى ما يحتاج إليه في حربه وسلمه. فالله عز وجل أغنانا بهذا الدين، أكرمنا به، وفر لنا جهوداً قطعتها البشرية البعيدة عن دين الله عز وجل أو تحاول أن تصل إلى بعضها، لكن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بهذا الدين، ولذلك فإننا نعظم حينئذ دين الله عز وجل، سوف ندرك نعمة الله عز وجل علينا: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا». سنعظم دين الله عز وجل، سنحله في المكانة اللائقة به، وهذا يعني أننا سنعظم ربنا جل وعلا لأنه هو الذي أنزل علينا هذا الدين، هو الذي أكرمنا به. إذاً من تعظيمنا لديننا بفقهنا في الدين نعظم ربنا جل وعلا، هذه الفائدة الأولى. هل يعزف أحد عنها؟ هل هناك من لا يرغب في أن يكتشف أسرار هذا الدين وأن يتعرف على تفاصيله وأن يوفر على نفسه الجهد والطاقة التي يمكن أن يبذلها بدونه بعيداً عنه فيما يأتيه وما يذره من شؤون حياته؟ لا يمكن لعاقل أن يقول لا أنا لا أريد هذه، لا أريد تعظيم هذا الدين، لا أريد أن أعظم من أنزل هذا الدين وهو ربنا جل وعلا. الفائدة الثانية: تقوى القلوب. الذي يغوص في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقرأ علوم الشريعة فإنها تورثه تقوى في قلبه، لماذا؟ لأنه أيضاً عظم دين الله عز وجل فعظم الله تبارك وتعالى، ولذلك فإنه سيخشى الله، سوف يتقي الله عز وجل، سوف يكون حريصاً على تطهير قلبه، وهذا ما نجده أيضاً في القرآن الكريم في قول الله عز وجل: «ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ». وإذا صلحت القلوب صلحت الأعمال: «ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح العمل كله، وإذا فسدت فسد العمل كله، ألا وهي القلب». الله عز وجل يقول: «فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ». وحينما ذكر يوم الدين قال: «يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ». إذاً الفائدة الثانية أن العلم الشرعي، التفقه في دين الله تبارك وتعالى يورث خشية، يحقق تقوى للقلوب. هل هناك أيضاً من لا يرغب في أن يكون تقي القلب، طاهر السريرة، فيصلح بعد ذلك عمله وتستجيب جوارحه ويكون في خشية من الله عز وجل ورغبة فيما عنده ورهبة منه سبحانه وتعالى؟ ليس هناك عاقل يعزف ويعرض عن هذه الثمرة. إذاً ينبغي لنا أن نعرف لماذا، ما نفع هذه العلوم الشرعية؟ ما الذي تحققه للفرد وللمجتمع وللأسرة وللوطن وللأمة بأسرها؟ فإذا أدركنا أنها من الوسائل، بل هي من أهم الوسائل اليوم على وجه الخصوص في تحقيق هذه الآثار وفي إيراثنا هذه العواقب، فلا أظن إلا أننا سنقبل عليها وسنبذل الغالي والرخيص. اليوم ترون أطفالكم، هم معكم في داخل البيوت لكن عقولهم شاردة، تجد أن الواحد منهم مشغول بهذا الجهاز الذي في يده، لا تعرف مع من يتواصل، ما الذي يستعمل به هذا الجهاز فيه، ماذا يفعل، مع من الذي يتلقى منه ومن الذي يتواصل معه، كثير من الآباء والأسر لا يعرفون، تعرفون وصل الحال إلى حالات انتحار أطفال يقتلون أنفسهم بتأثير هذه الألعاب، أطفال ومراهقون تتشوش أذهانهم، يشككون حتى في دين الله تبارك وتعالى. ما هو الحل حينئذ؟ هل أن نقعد مكتوفي الأيدي أو أن نتعاون ونتكاتف على مثل هذه المراكز والجهود والحلقات العلمية سواء كانت في مراكز أو في مساجد أو في مدرسة أو في أي مؤسسة مما يحقق للناشئة ويحقق لنا أولاً تعظيم دين الله عز وجل والتعرف عليه وإدراك أسراره كما يحقق لنا تقوى الله سبحانه وتعالى؟ إذاً هذه هي كلمتي ولا شك أنها تتضمن بعد إذن، بعد هذا البيان أن مثل هذه الجهود هي من أجل الأعمال التي ينفق فيها المرء ماله ويبذل فيها وقته، القائمون عليها مأجورون لأنهم بذلوا أوقاتهم وقفوها لله تبارك وتعالى وفي سبيل الله، فيحتاجون إلى تأييد ومناصرة، يحتاجون إلى كلمة طيبة، يحتاجون إلى أن تكون لهم فرصة، ثم من حق أولادنا علينا أن نتيح لهم هذه الفرص. كثير منا نشأ في أوقات لا توجد فيها مثل هذه المراكز، اليوم هو يتمنى لو كانت هناك في نشأته مثل هذه الجهود، فكيف يبخل بعد ذلك ببنيه، بأولاده من الذكور والإناث مع وجود هذه الفرص المواتية؟ حينئذ تعظم المسؤولية أمام الله تبارك وتعالى القائل: «يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيْكُمْ نَاراً وَقُوْدُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ». نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا إلى كل خير وأن يلطف بنا وأن يبصرنا بعيوبنا، بارك الله فيكم.
المفتي
سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
فتاوى مفرعة من برنامج سؤال أهل الذكر، يفتي فيه: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي — المفتي العام لسلطنة عُمان، وهو الوجه الرئيسي للبرنامج منذ انطلاقته، يجيب عن أسئلة الجمهور الفقهية والحياتية بأسلوبه المعروف في التأصيل والاستدلال. فضيلة الشيخ كهلان بن نبهان الخروصي — مساعد المفتي العام.
📺 شاهد الفتوى
▶
أسئلة مشابهة
- الحث على التفقه في الدين سؤال أهل الذكر، الشيخ كهلان الخروصي
- دراسة العلوم الشرعية والاجتهاد في التخصّصات الأخرى الشيخ د. عبدالله بن سعيد المعمري
- تقديم تعليم القرآن أو العلم الشرعي للأولاد جلسات إفتاء عامة، الشيخ ماجد الكندي
- تعويض النشء عن نقص العلم الشرعيّ في التعليم فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
- منزلة العلم في الإسلام فتاوى الشيخ إبراهيم الصوافي
📱 تنزيل التطبيق
✍️ اسأل سؤالك الخاص
للاستفادة من جميع الميزات — الباحث الذكي، الشذرات، ومتابعة الأسئلة — حمّل تطبيق مفتي